وقال رجل للجنيد علام يتأسف المحب ؟ قال : على زمان بسط أورث قبضا أو زمان أنس أورث وحشة . وأنشأ يقول :
قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم * فكدرته يد الأيام حين صفا
قال جعفر : وقال أبو العباس بن مسروق : مررت مع الجنيد في بعض دروب بغداد وإذا مغنّ يغني :
منازل كنت تهواها وتألفها * أيام أنت على الأيام منصور
فبكى الجنيد بكاء شديدا ثم قال : يا أبا العباس ما أطيب منازل الألفة والأنس ، وأوحش مقامات المخالفات ، لا أزال أحنّ إلى بدوّ إرادتي وجدة سعيي .
إسماعيل بن نجيد يقول : ودخل أبو العباس بن عطاء على الجنيد وهو في النزع ، فسلم عليه ، فلم يردّ عليه . ثم رد عليه بعد ساعة وقال : أعذرني فإني كنت في وردي . ثم حوّل وجهه إلى القبلة وكبّر ومات - رحمه اللّه - .
وقال أبو محمد الحريري كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته ، وكان يوم جمعة ، وهو يقرأ القرآن فقلت : يا أبا القاسم أرفق بنفسك . فقال : يا أبا محمد ما رأيت أحدا أحوج إليه مني في هذا الوقت ، وهو ذا تطوى صحيفتي .
وعنه قال : حضرت عند الجنيد قبل وفاته بساعتين ، فلم يزل باكيا وساجدا .
فقلت له : يا أبا القاسم قد بلغ بك ما أرى من الجهد . فقال : يا أبا محمد أحوج ما كنت إليه هذه الساعة . فلم يزل باكيا وساجدا حتى فارق الدنيا .
وعن فارس بن محمد قال : كان أبو القاسم الجنيد كثير الصلاة ثم رأيناه في وقت موته وهو يدرس ويقدّم إليه الوسادة فيسجد عليها . فقيل له : ألا روّحت عن نفسك ؟ فقال : طريق وصلت به إلى اللّه لا أقطعه .
وقال أبو بكر العطار : حضرت الجنيد عند الموت في جماعة من أصحابنا .
قال : فكان قاعدا يصلّي ويثني رجله كلما أراد أن يسجد . فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقل عليه حركتها فمدّ رجليه وقد تورّمتا ، فرآه بعض أصدقائه فقال : ما هذا يا أبا القاسم ؟ فقال : هذه نعم ، اللّه أكبر فلما فرغ من صلاته