قال أبو ذر : فانطلقنا حتى نزلت بحضرة مكة وانطلق أخي أنيس فراث علي فقلت : ما حبسك ؟ قال : لقيت رجلا يزعم أن اللّه عزّ وجل أرسله على دينك . قال فقلت : ما يقول الناس فيه ؟ قال : يقولون إنه شاعر وساحر وكاهن .
قال أنيس : قد سمعت قول الكهان فما يقول بقولهم وقد وضعت قوله على أقراء الشعراء فو اللّه ما يلتام ، وو اللّه إنه لصادق وإنهم لكاذبون .
قال : فقلت له : هل أنت كافيّ حتى أنطلق فأنظر ؟ قال : نعم فكن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنفوا « 1 » له وتجهموا له . فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت له : أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ ؟ قال : فأشار إلي .
قال الصابئ . قال : فمال أهل الوادي عليّ بكل مدرة « 2 » وعظم حتى خررت مغشيا علي ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم فدخلت بين الكعبة وأستارها فلبثت به يا بن أخي ثلاثين ، من بين ليلة ويوم ، ما لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن « 3 » بطني وما وجدت في كبدي سخفة جوع .
قال : بينما أهل مكة في ليلة قمراء - أي مضيئة - إضحيان وضرب اللّه على أصمخة أهل مكة « 4 » وما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا عليّ وهما تدعوان إسافا ونائلة « 5 » . فقلت أنكحوا أحدهما الآخر قال : فما ثناهما ذلك . قال : فأتتا علي فقلت : هن مثل الخشبة غير أني لم أكن . فانطلقتا تولولان وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا . قال : فاستقبلهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقالا : ما لكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قالا : فما قال لكما ؟
قالتا : قال لنا كلمة تملأ الفم .
قال : فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر فطاف بالبيت ثم
هامش
( 1 ) شنفوا أي بغضوا .
( 2 ) المدرة : قطعة من الطين .
( 3 ) هو ما انطوى وتثنى من لحم البطن .
( 4 ) أصمخة : جمع صماخ وهو ثقب الأذن .
( 5 ) هما صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلا وامرأة فزنيا في الكعبة فمسخا .