وفي هذه الفترة الأخيرة ، يلمع أيضا بريق الشوق والحنين إلى الوطن في أقوال شعراء تونسيين اضطرّوا إلى مفارقة مسقط الرأس ، واختاروا الغربة على الذلّ والهوان ، منهم محمد بن عبد السّلام الذي فارق تونس عند حلول الكارثة ، وحلّ بالشام ، وأقام بدمشق إلى أنّ توفّي بها سنة 975 ه . فاستمع إليه حين يقول من قصيدة بعث بها إلى من بقي من أهله في العاصمة الحفصية :
سلوا البارق النّجدي عن سحب أجفاني * وعمّا بقلبي من لواعج نيراني
ولا تسألوا غير الصبا عن صبابتي * وشدّة أشواقي إليكم وأشجاني
تحيّة مشتاق إلى ذلك الحمى * وسكّانه والنّار حين بأظعان
تحيّة مشتاق إلى ذلك الحمى * وسكّانه والنازحين بأظعان
سقى اللّه هاتيك الديار وأهلها * سحائب تحكي صوب مدمعي القاني
هي الحضرة العليا مدينة ( تونس ) * أنيسة إنسان رآها بإنسان
وكانت لطلّاب المعارف قبلة * لما في حماها من أيمّة عرفان
إلى أن رمتها الحادثات بأسهم * وسلّت عليها سيف بغي وعدوان
فما الدهر إلّا هكذا فاصطبر له * رزيّة مال أو تفرّق خلّان
وهي طويلة تحكي قصيدة صالح الرّندي في وطنه الأندلسي .
وفي الحق ، أنّ تونس لم تعدم كلّ الأدباء من أبنائها ممن عاشوا تلك الفترات المؤلمة إذ أنّ كثيرا منهم لم يبارح الوطن ، واختار الإقامة على الغربة ، والتمسّك بأرضه بدل التشرّد والابتعاد ، لكنّا لا نعلم من خبر هؤلاء المقيمين إلّا القليل النادر ، ولم يصل إلينا من أشعارهم إلّا النّزر القليل ، مثلما غابت عنّا الأحداث السياسية المعاصرة لهم ، وما ذاك إلّا لخلوّ البلاد ممن يعنى بتقييدها وحفظها للأجيال القادمة .
ومن عجيب الاتّفاق أيضا ، أنّ ما نال تونس من التدهور والتقهقر في تلك الظروف ، وقع مثله وشبيهه في بقية البلاد المغربية ،