كان داهية زمانه : المفخّم في شانه ؛ عصاميّ السؤدد ؛ طويل اللّسان واليد ؛ ولم يزل في مبتدإ أمره في الإضافة مرتفقا بجراية المدرسة والوراقة إلى أن تنبّه له الحظّ الرّاقد ؛ ونفق جوهره القدر النّاقد ؛ وعطف على فضله الدهر الحاقد ؛ وظفر بمنشوده « 1 » منه الأمل « 2 » الفاقد ؛ فدرّجه في المراتب وتوّجه بالمناصب ؛ وتوصّل بصداقة بعض الأكابر إلى انتعاش الجدّ العاثر وحصل من اجماله تجمّلا ؛ وفي أحواله تنقّلا إلى أن اعتصم من دار الخلافة بالخدمة التي درّت أخلافها ، واعتاق « 3 » عاطفتها التي هزّت [ 71 ] له أعطافها ؛ وأقام مدّة « 4 » في ظلال جلالها ؛ مقبلا بإقبالها ؛ مفضّلا بأفضالها ؛ مقدّما بتقديمها ؛ مكرّما بتكريمها ؛ معروفا بمعروفها ؛ مقرّطا بشنوفها « 5 » ؛ مقرّضا بألسنة أوليائها ؛ منخرطا في سلك آلائها « 6 » ؛ وهو رجل الزّمان كفاية ؛ وواحد العصر هداية ودراية .
وتوسّل بخدمة « 7 » العتبات الشّريفة إلى « 8 » توقّل الذّرى المنيفة ؛ وداخل سلاطين الوقت ؛ وبلغ عندهم أقصى المبالغ ؛ وفاز بالظّلّ السّابغ « 9 » والجري « 10 » السّائغ ؛ وصار قاضي قضاة الممالك والأقاليم ؛ وخوطب بالتبجيل والتعظيم . وسار إلى الشام ؛ وحكم فيه وتحكّم على ذويه ؛ ولم يزل سفيرا بين السّلاطين في الأمصار : مقبول القول « 11 » والمشورة والإيثار ؛ حسن الآثار ؛ عضب الغرار « 12 » ؛ مأمون العثار ؛ ذا السّير الحثيث إلى الأقطار في مصر والشام وعراق وخراسان « 13 » ؛ إلى أن قتل شهيدا مع ابنه في جامع همذان ؛
هامش
( 1 ) . في ت : وظفر منشوده .
( 2 ) . في نسختي ل 1 ، ل 2 : الآمال .
( 3 ) . في ت : واعتلق بمعنى أحبّ حبّا شديدا ( الوسيط ) .
( 4 ) . في ل 2 : وأقام يده .
( 5 ) . الشّنف : القرط : وكلّ ما يعلّق في الآذان .
وشنّفها بكلامه : أي أسمعها كلاما ممتعا .
( 6 ) . في ل 2 : في لألائها .
( 7 ) . في ل 2 : وتوسل لخدمة .
( 8 ) . في ل 1 : حتى توقّل ؛ بمعنى صعد .
( 9 ) . الظلّ السّابغ ، بمعنى النعمة الواسعة .
( 10 ) . في ل 1 ، بياض .
( 11 ) . في ل 1 : القبول .
( 12 ) . في نسخة ل 1 : غضب القرار ، والصّواب ما رأيناه بمعنى حاد كالسيف .
( 13 ) . كذا في ت ، وفي ل : والعراق وخراسان ، وهو الصّواب .