وكنّا نجتمع في دار المولى الوزير ( عون الدّين بن هبيرة « 8 » ) كلّ غدوة « 9 » ، وننتظر إذنه للخواصّ في اللقاء ، وجلوسه لأهل الفضل وأبناء الرّجاء . فاستأنس الشّريف [ بمحاورتي ، استئناسي « 10 » ] بمحاورته ، وأتحفني من رقيق عبارته ، بيتين له في عمّي ( العزيز « 11 » ) رحمه اللّه ، في نكبته . وهما :
( بني حامد ) إن جار دهر أو اعتدى * عليكم ، فكم للدّهر عندكم وتر « 12 »
أجرتم عليه من أخافت صروفه * فأصبح يستقضيكم وله العذر « 13 »
وذكر بعد ذلك أيادي عمّي ونعماه ، وما أولاه إليه وأسداه . ورقّ لفضلي وضياعه ، وأشفق من اتّضاعه ، فذكرت له التفات الوزير إليّ ، وتحدّثت بإنعامه عليّ . ولولاه ذلّ أهل الفضل ، وعزّ أولو الجهل ، فهو النّاقد البصير ، العارف الخبير . عاش الفضلاء في ذراه « 14 » ، فيا ضيعة ذوي الأدب وأولي الحسب لولاه . رمقهم بعين القبول فحفظ رمقهم « 15 » ، وإن كان مقامهم - لولاه - ب « العراق » عرقهم « 16 » ، وخذل أهل الباطل بنصرة الحقّ وفرّق فرقهم .
ولم يزل الشّريف الجليل لي جليسا ، يهدي إليّ من أعلاقه نفيسا « 17 » ،
هامش
( 8 ) ترجمته في 1 / 96 .
( 9 ) الغدوة : ما بين الفجر وطلوع الشمس .
( 10 ) من ب . ولفظتا « المحاورة » فيها ، مصحفة جميعا .
( 11 ) ترجمته في الدراسة التي صدّرت بها الجزء الأول .
( 12 ) الوتر : الثأر .
( 13 ) أجرتم : حميتم وأنقذتم . صروف الزمان : حوادثه ونوائبه . يستقضيكم :
يطلب قضاءكم وحكمكم .
( 14 ) الذّرا ، بالفتح : الكنف ، والستر ، والدفء .
( 15 ) رمقه : نظر إليه ، ويقال : رمقه ببصره : أتبعه بصره يتعهده وينظر اليه ويرقبه . والرمق : بقيّة الروح .
( 16 ) عرقهم : نال منهم .
( 17 ) الأعلاق : النفائس التي تتعلّق بها القلوب .