أقول : هذه الأبيات ، من حقّها أن تطرّز بماء الذّهب ، على وشاح الأدب « 38 » . فإنّها من لطافتها تكاد تخرق معارج السّماوات ، ومن عذوبتها تذوب في مخارج اللهوات . تدعو إلى يوم المعالي وشيم بوارقها « 39 » ، وتحثّ على الصّبر على صروف الليالي لحلول طوارقها « 40 » . ولقد صدق في قوله : « إنّ الأعجبين في الدّنيا : عناء الغمر ، وراحة الحرّ » .
ومنها :
من لي بأحمس لا يثنى ، يحطّمه * ما فاض من عبرات الكاعب الرّود ؟ « 41 »
إذا تكمّش للأهوال ، شيّعه * رأي جميع لآراء عباديد « 42 »
يلقى الخطوب بقلب غير منقلب * دون المنى ، وفؤاد غير مزءود « 43 »
شعاره ، وجناح الليل منسدل ، * أقتاد ناجية ، أو سرج قيدود « 44 »
هامش
( 38 ) الوشاح : نسيج عريض يرصّع بالجوهر وتشده المرأة بين عاتقها وكشجيها .
( 39 ) شام البرق والسحاب : نظر إليه يتحقق أين يكون مطره .
( 40 ) صروف الليالي : حدثانها ، وأحدها صرف ، بفتح أوله وسكون ثانيه . الطوارق :
الأحداث التي تطرق ليلا .
( 41 ) أحمس : شجاع صلب متشدّد ، الأصل : « بأخمس » ، وهو تصحيف .
يحطمه : الأصل « تحطمه » . الكاعب : الفتاة التي كعب ثدياها وبرزا . الرّود :
الرّؤد ، سهل همزته : الحسنة الشباب .
( 42 ) تكمش : تقبّض واجتمع ، الأصل « تكمس » . شيّعه : استخفّه وضرّمه ، يقال : شيّع الغضب فلانا . رأي جميع : مجتمع سديد . آراء عباديد : متفرقة ذاهبة في كل وجه .
( 43 ) مزءود : مذعور .
( 44 ) الأقتاد : جمع القتد ، بفتحتين ، وهو خشب الرّحل . الناجية : الناقة السريعة السير . القيدود : الفرس الطويلة العنق في انحناء .