وانطبعت قوالبها في نفسه ، لكثرة ما استعرضه ذهنه من نصوصها . وإدمان الدرس لشيء يورث في نفس صاحبه إرادة مشاكلته ، ويجذب طبعه إلى ترسمه واحتذائه . ثم ما برحت ملكته تشتد في اتباع هذه الطريقة الكتابية ، ويسمو بها سمتا بعد سمت ، حتى استولى على الأمد .
وكانت الزعامة الكتابية في هذا العصر للقاضي الفاضل ، الذي أضفت حلاوة أدبه على هذه الطريقة رونقا جذابا أوحى إلى أهل زمانه أنه نهج طريقة أو « شريعة جديدة » للكتابة كما يقول العماد ، لا منافس له فيها إطلاقا . ولكن ذهب ياقوت إلى أن العماد زاحمه فيها بمنكب ضخم ، وخالفه آخرون فعدوا العماد وضياء الدين ابن الأثير الجزري من أتباع الطريقة الفاضلية « 1 » .
ولا جدال فيما كان بين الكاتبين من تماثل في التصنع ، فلقد كانا يتجاريان فيه حتى في محاوراتهما فيتكافآن في القوة ، كالذي روي من لطائفهما وقد التقيا مرة فقال العماد للقاضي الفاضل وهو يسايره : « سر فلا كبابك الفرس » - وأراد أنه يقرأ طردا وعكسا - فأجابه القاضي الفاضل في الحال : « دام علاء العماد » ، وهو أيضا يقرأ طردا وعكسا ، ويسمي أصحاب الفن مثل هذا « ما لا يستحيل بالانعكاس » .
غير أن بينهما بونا كبيرا من حيث الرشاقة والحلاوة وانكشاف المعنى . ولقد جرى نفر من النقاد على الموازنة بينهما « 2 » ، فخرجوا إلى تفضيل بيان القاضي الفاضل ، ولم يغمطوا فضل العماد .
وقد ظفر العماد من تقدير العلماء لفنه بالإطراء الكثير ، فقال ابن الأثير المؤرخ :
« كان كاتبا مفلقا قادرا على القول » « 3 » ، وقال ابن الساعي : « كان سمح القريحة ،
هامش
( 1 ) راجع ص ( 41 ) .
( 2 ) القاضي ابن خلكان : في ترجمة السلطان صلاح الدين الأيوبي في وفيات الأعيان ( 2 / 395 ) ، وصلاح الدين الصفدي في الوافي بالوفيات ( 1 / 134 ) ، وابن السبكي في طبقات الشافعية ( 4 / 98 ) .
( 3 ) تأريخ ابن الأثير ( 12 / 7 ) بولاق .