ويستقرّ بمصر يوسف ، وبه * تقرّ بعد التنائي عين يعقوب
ويلتقي يوسف فيها بإخوته * واللّه يجمعهم من غير تثريب
وتمّ ملك صلاح الدين مصر بعد سنتين ، قال العماد : « نظمت ما في الغيب تقديره » .
فشكره نجم الدّين ، وأحسن اليه ، وأكرمه ، وقدّمه على الأعيان وميّزه . ووالاه العماد ووالى فيه وفي أخيه أسد الدين وابنه صلاح الدين أناشيده العذبة ، وبقي موصول الأواصر بأسرته إلى وفاته .
وكان قاضي القضاة الشهرزوريّ يحضر مجالس العماد ، ويذاكره بمسائل الخلاف والفروع ، وكلاهما كان فقيها شافعيا ، فذكره للسلطان نور الدين ، وعرّفه به ونوّه بشأنه ، وعرض عليه قصيدة طويلة من شعره في مدحه ووصف جهاده للفرنج ، مطلعها :
( محمّد ) يحمد عيش بلدة * مالكها بعدله ( محمودها )
فرتّبه السلطان في ديوانه منشئا لاستقبال سنة ثلاث وستين وخمس مائة ، في مكان كاتبه أبي اليسر « 1 » شاكر بن عبد اللّه المعرّيّ الذي استعفى من الخدمة في كتابة الإنشاء وقعد في بيته « 2 » . وكان العماد ينشئ الرسائل بالفارسية أيضا فيجيد فيها إجادته بالعربية ، فعلت منزلته عند السلطان ، واعتمد عليه في خاصّ أسراره ، وسيره إلى بغداد رسولا في أيّام المستنجد باللّه . ولما عاد إلى دمشق ، فوّض اليه في شهر رجب سنة 567 ه تدريس المدرسة النّوريّة الشافعيّة التي نسبت من بعد اليه فعرفت بالمدرسة العمادية « 3 » لكثرة إقامته بها وتدريسه فيها ، قال ابن كثير : « وكان بارعا في درسه ، يتزاحم الفضلاء فيه
هامش
( 1 ) في مرآة الزمان وشذرات الذهب : « أبو اليسر » ، وفي الروضتين : « أبو البشر » .
( 2 ) قال أبو شامة المقدسي في الروضتين : « كذا ذكر العماد في « الخريدة » ، وقال : « تولى ديوان الإنشاء بالشام سنين كثيرة ، وله مقاصد حسنة في الكتب ، وهو حميد السيرة جميل السريرة » . وذكره ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في وفيات سنة 581 ه وقال : « أبو اليسر شاكر بن عبد اللّه بن محمد التنوخي المعري ثم الدمشقي صاحب ديوان الإنشاء في الدولة النورية ، عاش خمسا وثمانين سنة » . وانظر مرآة الزمان ( 8 / 106 ، 239 ، 322 ) .
( 3 ) انظر الدارس في تأريخ المدارس ( 1 / 407 - 413 ) .