وجد من أخلاقهم العالية في المعاشرة ومن تقريب الدولة له ما جعله يحبهم حب عصبية ، ويحب الدولة التي أشبلت عليه ، وقدرت نبوغه فاستخدمته في شؤونها الجليلة . وقد بلغ من اندماجه في العرب ببغداد وإخلاصه للعباسيين أن أصبح يشعر بشعورهم ، وقد هاله استفاضة بحور الأعاجم من الديلم والترك على بغداد وشغبهم على الخليفة ، فاستفظع ذلك في بعض كتبه ، وشنّع على ادارتهم وسياستهم بعبارات لا تصدر الا من قلب عربيّ العواطف ، وكم في الفرس وفي غيرهم من الأمم التي دانت بالإسلام من رجال أخلصوا للعرب والعربية وخدموها أجلّ الخدمات . على أنه إذا صح ما ذكره ابن الفوطي من ( نسبه ) في ( قريش ) ، كانت عصبيته هذه للدولة العباسية طبيعية لا غرابة فيها ، لأن الشيء من معدنه لا يستغرب !
بيأته الأولى :
كان مولد العماد بمدينة أصبهان في ثاني جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وخمس مائة للهجرة . وأصبهان - كما قال ياقوت - مدينة عظيمة مشهورة ، من أعلام المدن وأعيانها ، يسرف الواصفون في وصف عظمها حتى يتجاوزوا حد الاقتصاد إلى غاية الإسراف .
وأصبهان اسم للإقليم بأسره أيضا . وكانت مدينتها أولا ( جيّا ) ، ثم صارت ( اليهوديّة ) .
وكانت مساحتها ثمانين فرسخا في مثلها . وهي ستة عشر رستاقا ، كلّ رستاق ثلاث مائة قرية قديمة سوى المحدثة . وهي صحيحة الهواء ، نفيسة الجو ، خالية من الهوام . وبها نهر يقال له ( زندروذ ) غاية في الطيب والصحّة والعذوبة ، وعليه قرى ومزارع .
وقد فتح العرب أصبهان ورساتيقها في خلافة عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - فعمرت بالإسلام ، وعلا شأنها ، حتّى صارت من أهم مراكز العلم في المملكة الإسلامية العظيمة ، وألّف فيها عدة تواريخ ، وخرج منها من العلماء والأئمة في كل فنّ ما لم يخرج من مدينة من المدن ، ولا سيّما علوّ الإسناد ، فان أعمار أهلها تطول ، ولهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث ، فكان بها من الحفّاظ خلق لا يحصون .