فحج في موسم سنة تسع وثمانين ، وسمع بمكة من أبي علي الحسين بن علي الطبري ، وغيره .
ثم عاد إلى بغداد ثانية ، وصحب بها أبا بكر الشاشي ، وأبا حامد الطوسي ، وغيرهما من العلماء والأدباء ، فأخذ عنهم ، وتفقه عندهم ، وسمع العلم منهم ، ثم صدر عن بغداد ، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين ، فكتب عنهم واستفاد منهم ، وأفادهم ، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين ، وقدم بلده إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق .
وكان من أهل التفنن في العلوم ، والاستبحار فيها ، والجمع لها ، متقدما في المعارف كلها متكلما في أنواعها ، نافذا في جميعها ، حريصا على أدائها ، ونشرها ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ، ولين الكنف ، وكثرة الاحتمال وكرم النفس ، وحسن العهد ، وثبات الوعد .
واستقضى ببلده ، فنفع اللّه به أهله ، لصرامته وشدته ، ونفوذ أحكامه .
وكان له في الظالمين سورة مرهوبة .
ثم صرف عن القضاء ، وأقبل على نشر العلم وبثه .
قرأت عليه وسمعت بإشبيلية ، وقرطبة كثيرا من روايته وتآليفه .
وسألته عن مولده ، فقال لي : ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة .
وتوفي رحمه اللّه بالعدوة ، بمقيلة على مقربة من فاس ودفن بمدينة فاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة .
1308 - محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يحيى بن مسعود .
يعرف بابن الوراق ، صاحب الصلاة بجامع قرطبة ، يكنى أبا الحسن ، روى عن أبي عبد اللّه محمد بن فرج قديما ، وأخذ عن جماعة شيوخنا .
وكان دينا فاضلا ، معتنيا بالعلم والآثار ، جامعا لها حسن النقل لجميعها جميل الخط والوراقة ثقة ، ثبتا طويل الصلاة كثير الذكر للّه تعالى .
وتوفي ، رحمه اللّه ، في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة .
ودفن بالربض .