العلماء ذاكرا للروايات يحفظ المدونة ، وينضّها من حفظه .
قال لي شيخنا أبو محمد بن عتاب ، عن أبيه أنه قرأ لهم يوما ورقتين أو ثلاثة من أول كتاب « السلم » من المدونة ، عن ظهر قلب نسقا متتابعا .
وحكى غيره أنه كان يحفظ النوادر لابن أبي زيد ، ويوردها من صدره دون كتاب ، واللّه أعلم بصحة ذلك .
وقرأت بخط أبي القاسم بن عتاب ، قال أخبرني بعض الشيوخ أن بعض رؤساء قرطبة ، أراد أن يرسله إلى البربر سفيرا ، فأبى من ذلك ، وقال : إني رجل بي جفاء ، وإني أخاف أن ينالني بمكروه منهم .
فقال له بعض الوزراء : رجل صالح يخاف الموت ، فقال : إن أخفه فقد خافه أنبياء اللّه صلوات اللّه عليهم .
هذا موسى عليه السلام ، حكى عنه ربه عزّ وجل أنه قال :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
[ الشعرا : 21 ] .
وحكى عن نفسه أنه لما حج حجة الفريضة ، رأى في النوم كأن ملكا من الملائكة يقول له :
ابق مجاورا إلى موسم قابل ؛ فإنه لم يتقبل حجك في هذا العام ، فارتاع لما رآه ، فأقام بمكة مجتهدا في عمله ، وخرج إلى المدينة ، فزار قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وجعله وسيلة إلى ربه ، ثم صار إلى بيت المقدس ، فتعبد فيه زمانا ، ثم انصرف إلى مكة مجاورا ، وكان يسقي بها الماء إلى أن حضر الموسم من العام الثاني ، فحج حجة ثانية ، فلما أتمها تراءى له النبي صلّى اللّه عليه وسلم في نومه ، فكان يسلم عليه ويصافحه ، ويبتسم إليه ، ويقول له يا محمد : حجك مقبول أولا وآخرا ، يرحمك اللّه ، فانصرف إذا شئت مغفورا لك ، والحمد للّه رب العالمين .
ذكره الحسن بن محمد في كتابه ، ونقلته منه مختصرا .
قال ابن حيان : وتوفي الفقيه المشاور ، الحافظ ، المتبحر الراوية ، البعيد الأثر الطويل الهجرة في طلب العلم الناسك المتقشف أبو عبد اللّه محمد بن عمر المعروف بابن الفخار بمدينة بلنسية في ربيع الأول سنة تسع عشرة وأربعمائة لعشر خلون من الشهر .
وكان الحفل في جنازته عظيما ، وعاين الناس منها آية من طيور أشبه الخطاف ، وما هي بها تجللت الجمع رأفة فوق النعش جانحة إليه مسفه ، لم تفارق نعشه إلى أن ووري فتفرقت .
وعاين الناس منها عجبا ، تحدثوا به وقتا .
ومكث مدته ببلنسية مطاعا ، عظيم القدر عند السلطان والعامة .