وأمّا قوله : « يتضوّعن عن النشر العبقسيّ » فإنّ من أمثال العرب : هو أخسر صفقة من شيخ مهو [ 1 ] ، ومهو بطن من عبد القيس ، وكان من خبره أنّ إيادا كانت أفسى العرب ، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ ، ومعه حلّة نفيسة / فقال : يا معشر العرب إني قد بعت فساء إياد لوافد عبد القيس بحلتي هذه ؛ وافترقا راضيين ، وقد شهد عليهما أهل الموسم ، فصارت عبد القيس أفسى العرب . وقيل لابن مناذر [ 2 ] : كيف الطريق إلى عبد القيس ؟ قال : شمّ ومرّ .
فإنّ عبد القيس من لؤمها * تفسو فساء ريحه يعبق
من كان لا يدري لها منزلا * فقل له يمشي ويستنشق
وأما مراضع ثعالة فيقال : هو أعطش من ثعالة [ 3 ] ، رجل من بني مجاشع ، كان ضلّ الطريق هو وابن عمّ له ، فعطشا ، فالتقم كلّ واحد منهما أير صاحبه يشرب بوله ، فلم يغنيا عنهما شيئا وماتا عطشا ، فوجدا على تلك الحال ؛ ولذلك قال جرير يعيّر بني دارم [ 4 ] :
رضعتم ثم بال على لحاكم * ثعالة حين لم تجدوا شرابا
وقيل : ثعالة : الثعلب ، في تفسير هذا الخبر عن ابن حبيب ، وخالفه ابن الأعرابي وحكى ما ذكرناه ، وأنشد أيضا قول جرير [ 5 ] :
ما كان ينكر في غزيّ [ 6 ] مجاشع * أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل
وله من أخرى يعزّي بموت ولد فخر الدولة غريقا [ 7 ] :
هامش
[ 1 ] المثل في الدرة الفاخرة : 140 ( أحمق من . . . ) ، والعسكري 1 : 388 ، والزمخشري 1 : 82 ، وثمار القلوب :
106 ، واللسان ( فسا ) ؛ واسم الشيخ عبد اللّه بن بيدرة ، وفي نقل ابن بسام إيجاز مخلّ ؛ فإن الأيادي نادى ألا إني رجل من إياد فمن ذا الذي يشتري عار الفسو مني ببردي هذين فقام الشيخ العبديّ فقال : هاتهما ، فأتزر بأحدهما وارتدى بالآخر ، وحينئذ أشهد عليه الأيادي من شهد الموسم بعكاظ .
[ 2 ] هو محمد بن مناذر شاعر بصري مات في أيام المأمون ( الأغاني 18 : 103 ، والشعر والشعراء : 747 ، وطبقات ابن المعتز : 119 ، ومعجم الأدباء 19 : 55 ) .
[ 3 ] ورد المثل في الدرة الفاخرة : 309 ، والعسكري 2 : 70 ، والميداني 2 : 49 ، والزمخشري 1 : 248 .
[ 4 ] ديوان جرير : 818 وروايته : « ثم سال » .
[ 5 ] ديوان جرير : 941 ، والدرة : 309 ، والنقائض : 223 ، والمعاني الكبير : 585 ، واللسان والتاج ( فشل ) .
[ 6 ] الديوان : نديّ ؛ ص : عديّ .
[ 7 ] وردت هذه الرسالة في جمهرة الإسلام ، الورقة : 68 وأنها في رثاء ولد كافي الكفاة وبين النصين اختلاف ، -