مولاها فيها السّول ، وبلّغته في ثمنها المأمول ، وسألها بعض التجار ، عن الدار وعن النّجار ، فترجمت عن منصبها ، وأعربت عن نسبها ، بغرائب ألفاظ ، عزيز سماع مثلها بسوق عكاظ ، مسخت القاف كافا [ 1 ] ، وردّت الأوصاف « أوسافا » ، فقبّحت بذلك الكلام حسنها ، ورجمت الأسماع بلغة كأنّها :
برد تحدّر من متون غمام
فعاد مبرم حبي لها سحيلا ، ولم تسو عندي لذلك فتيلا . وما عجبت كعجبي من وصفكها بقصر الخطا ، وتشبيهكها بإبهام القطا ، فإن كان نقدك في الشعر ومراميه ، واقتضابك لغريب معانيه ، بهذه القريحة الصافية ، والبصيرة النافذة المتناهية ، فقد فتّ الأولين والآخرين سبقا ، وبرزت على القدماء والمحدثين صدقا . كيف جاز عليك هذا الغلط وأنت صيرفيّ الكلام ، معنويّ النظام ، وغيرك بذلك التشبيه كان أليق ، وهو به أعلق ، تلك بيضاء قصيرة بزعمك ، وهذه سوداء دحداحة بزعمك :
قريبة الأقطار ملمومة * مغموسة في خضرة جون
لا تخطئ البقّة أوصافها * في النّتن والقامة واللون
وأمّا ما عبته من زرقتها - وإن لم تكن كذلك ، وكانت الشهلاء في نعتك - فأين أنت من [ 2 ] قول القائل :
وأزرق العين فاتر الغنج * زرقة عينيه آفة المهج
قالوا به زرقة فقلت لهم * تمّ بها حسن وجهه البهج
ما زرقة العين مثل كحلتها * كم بين ياقوتة إلى سبج
وفي فصل منها : وهاهنا وقفت وأمسكت ، لأنّ بعض الإخوان أحرقني بنار العتاب ، وأخرجني بها عن طبقة الكتّاب ، وركب في ملامتي رأسه ، ومدّ بها إليّ أنفاسه ، وأطنب في اللوم وأسهب ، وصعّد في / العتب وصوّب ، يقول في فصل منها [ 3 ] : « وقفت على ما أدّاك إليه كثرة الفضول ، من إيرادك تلك الفصول ، التي مسخت جواهرها
هامش
[ 1 ] ص : الكاف قافا .
[ 2 ] ص : فأين منك من .
[ 3 ] ما يلي هو نص ما كتبه إليه صديقه حين لامه .