وفي فصل من أخرى : ربما كتبت تارة واستوقفت أخرى ، وليس ذاك لتلوّن وانقلاب [ 1 ] ، وأفن في الرأي واضطراب ، ولكني بحسب الحال أكتب ، وعلى قدر تقلّب الخطوب عليّ أتقلّب ، وما زلت أثبت لتوالي الرمي ، وأستمسك على قوّة الرزء ، إشفاقا من أن أكون كلّا ، وأزيد في مئونتك ثقلا ، حتى قدم الغائب وقد تملأ من المرّة الصفراء ، واستفرغ من خلطي البلغم والسوداء ، وتلقّى الساعي هراشه بالإغراء ، وناريّته بالحلفاء ، فاندفع يهيج ويتهوج [ 2 ] ، ويستشيط ويتأجّج ، ولا حلم يردع ، ولا استبصار ينفع [ 3 ] ، فيا لك من مكاشفة تركت الألباب حيارى ، والناس سكارى ، فما أجد إلّا من يثلب ، ولا أمرّ إلّا بمن يتجهّم ويقطّب ، حتى كأنّي وترت الجميع ، وجنيت عليهم الخطب الشنيع ، وللّه سمعي ما ذا يسمع ، وقلبي كيف لا يتصدع ! ! ولو نال مني ذو حرمة / تعزّيت ، أو أخذ منّي من فيه إنسانيّة ما باليت ، ولكن المحنة بأوغاد تدقّ عن المجازاة مقاديرها ، والبلية بذباب يحميها من أن تنال مقاذيرها .
حلّ هذا من قول القائل ، وهو إبراهيم بن العباس في محمد بن عبد الملك الزيات :
نجا بك لؤمك منجى الذباب * حمته مقاذيره أن ينالا [ 4 ]
وله من أخرى : قد آلى الدهر ألّا يصيبني بنوائب ، حتى تكون غرائب ، فهو يخترع كلّ يوم فنّا ، ويطرقني بما لم يطرق [ 5 ] قطّ أذنا .
وفي فصل من أخرى [ 6 ] : تحيّل في استلطاف فلان فعساه يلين بعد قساوته ، ويسكن غضبه بعد اشتداده ، وكيف أوصيك وأنت ساحر البلد ، وأحد النّفاثات في العقد ؟ ومن العجب أن أدعوك إلى ذلك وأنت الذي جنيت [ 7 ] عليّ فيه ، وأذقتني مرارة تجنّيه ، فكيف تصلح وأنت المفسد ، وكيف تستدنيه وأنت المبعد ، وكيف تنصف وأنت الظالم ، أو تبني وأنت الهادم ؟ ! هذا مرام بعيد ، واسترضاء حاسد مثلك صعب شديد ، ولكني واثق بأن
هامش
[ 1 ] ب م : وانتقاض .
[ 2 ] ب م : ويتموج .
[ 3 ] م ب : يقع .
[ 4 ] مر البيت ص 204 وانظر ديوانه ( رقم : 129 ) ، وديوان المعاني 1 : 179 .
[ 5 ] د ط س : ويقرطني . . . يقرط .
[ 6 ] ط د س : وفي فصل منها .
[ 7 ] د ط س : خيلت .