وله من رقعة عتاب « 1 » : إنّا للّه ، لقد غرقت من غشّك « 2 » في بحر عميق « 3 » ، وامتحنت منك بعدوّ في ثياب صديق « 4 » :
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ « 5 »
وقد كنت خاطبتك - لا مسّك خطب ، ولا فلّ لك غرب ، جاريا - علم اللّه - إلى التحقيق ، آخذا بما يلتزمه الصديق للصديق ، [ 108 ب ] غير ملتفت إلى تلك البوادر التي كانت الدعابة « 6 » تجريها ، وإذلال الوداد السبب فيها ، وما كان في كتابي شيء يتّهمه من أخلص نيّة ، وأوى إلى حسن / طويّة ، اللهم إلا إن كان ما ضمّنته من التبجيل ، قد حرّفته عن الوجه الجميل ، وتأوّلته أقبح التأويل .
قال ابن بسّام « 7 » : ومما لوّح فيه بالعتاب ، وزخرف بالتصنّع ظاهر الخطاب ، رقعة خاطب بها من أحوجته الأيام إلى مصانعته ، وقد بدت منه بواد « 8 » صوّب فيها وصعّد ، وقام وقعد ، قال « 9 » فيها :
معلوم - أعزّك اللّه - أن لكلّ مقام مقالا ، ولكلّ « 10 » حال تناولا وحوالا « 11 » ، وكما لا يصلح الإكثار في كلّ خطاب ، فكذلك الاختصار لا يسوغ في كلّ كتاب ، وفي النفس كوامن لا يمكن تبيينها عليك ، وتقريرها « 12 » لديك ، إلا بالتّطويل ، وإن أصار إلى التثقيل ، وأنت بعلاك تصرف إليها بالك . لما وهب لنا أيها العماد من عرفانك ما وهب ، وسبّب من التعلّق بك ما سبّب ، رأيتني قد رقيت إلى جوار الأفلاك ، وجعلت الأخمص على ذروة
هامش
( 1 ) نقلها العمري في المسالك 13 : 62 .
( 2 ) ل : عتبك .
( 3 ) ط م س : غميق .
( 4 ) من قول أبي نواس :إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في ثياب صديق( 5 ) للمتنبي ، انظر ديوانه : 184 .
( 6 ) ل : الرعاية .
( 7 ) نقلها العمري في المسالك 13 : 62 .
( 8 ) ط م س : بوداد ( واقرأ : بوادر ) ؛ المسالك : بدوات .
( 9 ) موضع قال : بياض في ط .
( 10 ) م س : وإن لكل .
( 11 ) م : وحذالا ؛ س : وخلالا ؛ ل : وخدالا ؛ ك : وأحوالا ؛ المسالك : وجدالا .
( 12 ) ك : وتغييرها ؛ المسالك : وتقيرها .