ودفنه الدّفنة التي خلناها حقيقة ، فلم يلبث أن نجم حيّا بإشبيلية بعد حقب ، فبقي هنالك ملكا ودال قرنا إلى أن وقعت عليه هذه الميتة الثالثة ، فما نقول ونعتقد في الفرق بين هذه الميتات المتواليات ، إذ كان مائتها واحدا ، وليس إلّا السيوف عليها أدلّة ، غير إخلاص الدّعاء لكلمة المسلمين في الائتلاف لما فيه الصلاح ؛ انتهى ما لخّصته من كلامه .
قال ابن بسام « 1 » : ثم غمس المعتضد يده بعد في من كان يليه من أقتاله البرازلة فصدم « 2 » شرّهم بشرّهم ، وضرب زيدهم بعمرهم ؛ وقد كان عندما تسعّرت نار الحرب ، بينه وبين رؤساء الغرب ، هادنهم على دخن ، ومتح لهم حتى ضرب حوله بعطن ، ليقتلهم بسيوفهم ، ويستدرجهم إلى حتوفهم ، فلمّا استقرّت قدمه بشلب ، قاصية قواعد الغرب ، كان أول ما بدأ به من حربهم هجومه على الحاجب ابن نوح « 3 » / المنتزي منهم - كان - بكورة مورور « 4 » في غير كتيبة نظمها ، ولا مقدّمة إليه قدّمها ، إلّا فتيان ينبهان عليه ، ويحملان الأموال بين يديه ، تجاسرا على ركوب الخطر الذي تحاماه اللبيب ، واستنامة لصرف القدر وهو لا يدري أيخطئ أم يصيب ، فخلص إلى ابن نوح هذا : من رجل لا يبالي دم من تجرّع ، ولا يحفل بأيّ شيء يصنع « 5 » ، فبالغ ابن نوح في برّه ، وتضاءل لأمره ، وحمل ذلك من فعله على آكد أسباب السلامة ، وأتمّ وجوه الاستنامة « 6 » ، وفضّ المعتضد يومها « 7 » من صميم ماله ، في وجوه حماة ابن نوح ورؤوس رجاله ، ما استمال به قلوبهم ، واستنصح به جيوبهم .
ثم صار إلى ابن أبي قرّة « 8 » برندة فسامه مثلها ، وحذا له نعلها ، فتلك اعتدّ عليهم يدا ، وجعلها لما أراد من مكروههم أمدا . وقد كان أحد أجنادهم أشار بالرأي في أمره ،
هامش
( 1 ) البيان المغرب 3 : 214 .
( 2 ) س ودوزي : فضرب .
( 3 ) هو محمد بن نوح الدمري الملقب بعز الدولة ثار بمورور سنة 433 إلى أن أنهى المعتضد حكمه سنة 445 ، وسجنه وتوفي في سجنه 449 .
( 4 ) مورور( Moron ): مدينة صغيرة إلى الجنوب الغربي من قرمونة ، بولاية إشبيلية ( الروض المعطار رقم :
181 ) .
( 5 ) ك : صنع .
( 6 ) م س والبيان ودوزي : الاستقامة .
( 7 ) في النسخ : يوما .
( 8 ) هو أبو النور هلال بن أبي قرة اليفرني .