الحفيّ من أخواله وأعمامه ، وربما زاد سوء المقدار ، في / ذميم هذا الاختيار ، فهجر أحد أبويه أو كليهما ، وقد علم أنّ طلب الجنّة تحت قدميهما ، ففضله النوع البهيميّ بقفو أثر مرضعه ، وقد غني عن رضاعها ، وزاد على خطوة باعها ، وتبرأ منه الجنس الإنسيّ بموجب عقله ، ومقتضى دليلي برهانه عن اللّه تعالى ونقله ، فلا هو من البشر في شكر المحسن إليه ، ولا من البقر في إلف القائم ولا من الشجر ، بل هو أقسى من الحجر ،
وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ
( البقرة : 74 ) فيكون بإذن اللّه موردا ، وتلطف منه الأجزاء فيكحل إثمدا .
وقد لعمري منيت بهذا النوع من الولد ، وكمدت به أبرح كمد ، واشتغال نفسي بقسوّه ، بعد حنوّه ، وببعده بعد طول دنوّه ، مزج شكيّتي ، بالبسط لأمنيّتي ، حتى هرفت بما لم أعقد عليه نيّتي ، ولا قصدته في هذا المقام برويّتي : كالهارف : « أصبحوا الركب أغبقوا الركب » « 1 » ، والهارفة : « زوّجوني زوّجوني » « 2 » .
إن اللسان على الفؤاد دليل
واللّه « 3 » يحسن فيه العزاء حيّا ، ويطوي بيد السلوّ نهجي بهذه الشكاية طيّا ، حتى أنساه ، ولا أعرفه حين أراه ، وفراستي في سواه ، أصدق من نار الفرس في الصدق ، وأبصر في ظلمة الاشتباه من طالع الأفق .
/ وفي فصل منها : وإذا اتفق من المشاكلة ما صدّرنا الكتاب به ، ومن المماثلة ما قد ائتلفت نفوسنا بسببه - وهي كما قال عليه السلام : « أجناد مجنّدة » - فمن حقنا أن نأتلف ولا نختلف ، ونتعاون أعضاء وآراء ، وأقوالا وأفعالا ، ونطيب نفوسا ، ونستوي في حسن العشرة أقداما ورءوسا ، فنصرف على الأيام جمال أنبائها ، ونرتسم في جريدة وفائها ، ونتسربل من الحمد لبوسا ، ونقمع من استيلاء الذمّ معرّة وبوسا .
ومن أخرى : من طال - أعزك اللّه - أمد ارتياده ، ودوّم « 4 » به جناح جدّه واجتهاده ،
هامش
( 1 ) فيه إشارة إلى النمر بن تولب ، فقد كبر حتى خرف وأهتر فجعل يقول : أصبحوا الراكب ( الشعر والشعراء :
227 ، والخزانة 1 : 156 ) .
( 2 ) فيه أيضا إشارة إلى قصة امرأة جعلت تردد هذا القول عندما خرفت وأهترت .
( 3 ) من هنا حتى آخر هذا الفصل مكرر ، انظر ما سبق ص : 336 - 337 .
( 4 ) ل : وحوم .