عميدهم الّذي أنسى السالف قبله ، وتقدّم الرّاهن معه ، وأتعب الغابر بعده ، الحاجب فخر الدولة مولاي ، ومن أطال اللّه بقاءه ، وكبت أعداءه ، لما خصّه اللّه به من سناء الهمم ، وسماحة الشّيم ، وانتظام أسباب الرّئاسة ، وكمال آلات السّياسة ، واجتماع المناقب التي أفردته من النّظراء ، وأعلته عن مراتب الأكفاء ، فرأيت قبل أن أحمل لغيره نعمة ، أو أوسم ممّن سواه بصنيعة ، أن أعرض نفسي مملوكة عليه ، عرض من لا يؤهلها / لإجازته إلا بالاستجازة ، ولا يطمع لها في قبوله إلا مع المسامحة ، فلو كنت الوليد بن عبيد براعة نظم ، وجعفر بن يحيى بلاغة نثر ، وإبراهيم بن المهدي طيب مجالسة ، وإمتاع مشاهدة ، ثم حضرت بساطه العالي ، لما كنت مع سعة إحاطته إلّا في جانب التّقصير ، وتحت عهدة النقصان ، غير أنه لم يعدم مني نجابة غرس اليد ، وإصابة طريق المصنع ، من ولاية أخلصها ، ونصيحة أمحضها ، وشكر أجنيه الغضّ من زهراته ، وثناء أهدي إليه العطر من نفحاته ، ففوّضت إليك هذه السّفارة ، واعتمدتك بتكليف النيابة ، لوجوه : منها حظوتك لديه ، ومواتّك إليه [ 1 ] ، سوّغك اللّه الموهبة في ذلك ، وأنهضك بأعباء الشّكر لها . ومنها سرو مذهبك ، وكرم سجيتك ، وصحّة مشاركتك ، لمن لم يستوجبها استيجابي ، ولا استدعاها بمثل أسبابي ، من تداني الجدار ، وتصافي السلف ، والانتماء إلى أسرة الأدب .
فإن وافقت السانحة [ 2 ] الإرادة ، فحظّ أقبل ، وعبد بلغ من قبول سيده ما أمّل ، ولم أقل :
« عمرك اللّه » كما قيل في النجمين [ 3 ] ، بل قلت : « قد يجمع اللّه الشتيتين » [ 4 ] ، وإن عاق حرمان عادته أن يعوق عن الظفر ويعترض دون الأمل ، فأعلمه - أيده اللّه - أني في حالي العطلة مع غيره والتصرّف ، ويومي الإيطان والتطوف ، كالمهتدي بالنجم حين عدم ذكاء ، ومتيم الصعيد إذ لم يجد الماء :
فإن أغش قوما غيره أو أزرهم * فكالوحش يدنيه من الأنس المحل
واللّه يتولّاه بالفسحة في عمره ، والإعلاء لأمره ، ويصرّف الأقدار مع إيثاره ، ويصرف وجوه التوفيق إلى اختياره .
هامش
[ 1 ] س : ومكانتك إليه .
[ 2 ] س : المابحة .
[ 3 ] أي سهيل والثريا ، كما في قول عمر : « عمرك اللّه كيف يلتقيان » .
[ 4 ] من قول الشاعر :وقد يجمع اللّه الشتيتين بعد ما * يظنان كل الظن أن لا تلاقيا