وما زال يروي الترب حتّى كسا الرّبى * درانك ، والغيطان من نسجه بسطا
وعنّت له ريح تساقط قطره * كما نثرت حسناء من جيدها سمطا
ولم أر درّا بدّدته يد الصّبا * سواه ، فبات النّور يلقطه لقطا
وبتنا نراعي الليل لم نطو برده * ولم يجر شيب الصبح في فرعه وخطا
تراه كملك الزنج في فرط كبره * إذا رام مشيا في تبختره [ 1 ] أبطأ
مطلا على الآفاق والبدر تاجه * وقد علّق الجوزاء من أذنه قرطا
وحتى تصف ذئبا فتقول [ 2 ] :
إذا اجتاز علويّ الرّياح بأفقه * أجدّ لعرفان الصّبا يتنفس
تذكّر روضا ذا [ 3 ] شوي وباقر * تولّته أحراس من الذّعر [ 4 ] تحرس
إذا انتابها من أذؤب القفر [ 5 ] طارق * حثيث [ 6 ] إذا ما استشعر اللحظ يهمس
أزلّ كسا جثمانه متستّرا * طيالس سودا للدّجى وهو أطلس
فدلّ عليه لحظ خبّ مخادع * ترى ناره من ماء عينه تقبس
/ فصاح فتيان الجنّ عند هذا البيت الأخير : زاه ! وعلت أنف الناقة كآبة ، وظهرت عليه مهابة [ 7 ] ، واختلط كلامه ، وبدا منه ساعتئذ بواد في خطابه ، رحمه لها من حضر ، وأشفق عليه من أجلها من نظر . وشمّر لي فتى كان إلى جانبه عن ساعد ، وقال لي : وهل يضرّ قريحتك أو ينقص من بديهتك لو تجافيت لأنف النّاقة وصبرت له ؟ فإنه على علّاته زير علم وزنبيل فهم وكنف رواية . فقلت لزهير : من هذا ؟ فقال : هو أبو الآداب صاحب [ 8 ] أبي إسحاق بن حمام جارك . فقلت : يا أبا الآداب ، وزهرة ريحانة الكتّاب ، رفقا على أخيك بغرب لسانك ، وهل كان يضرّ أنف النّاقة ، أو ينقص من علمه ، أو يفلّ شفرة فهمه ، أن يصبر لي على زلّة تمرّ به في شعر أو خطبة ، فلا يهتف بها بين تلاميذه ،
هامش
[ 1 ] الشريشي : تأخره .
[ 2 ] ديوان ابن شهيد : 119 .
[ 3 ] ط : من .
[ 4 ] ب س : الصعب .
[ 5 ] ب س : الليل .
[ 6 ] ط : خبيث .
[ 7 ] ط : مهانة .
[ 8 ] ب س : تابعة .