تكلف في الجود بسرف ، ولا تقف من التبذير على شرف . . . ، وقد كان يجب أن لا ترغب عن راغب ، ولا تنكب عنه إلى شغب شاغب " « 1 » .
أما عن الشراهة ، وحب المال على وجهه ، فتذكر المصادر « 2 » أن ابن خاقان ، لما عزم على تأليف مصنفه ، أرسل إلى ملوك الأندلس ، والوزراء والقضاة ، ورجالات الأدب فيها ، يحكي لهم عما أزمع عليه ، ويسألهم أن يمدوه بنتاجهم الأدبي ، ليسطر به كتابه القلائد ، فأنفذ إليه بعضهم ذلك مشفوعا بصلات حسنات من المال ، كانت السبب في الإفاضة بالثناء على أولئك حسب الصلة وقيمتها .
وعلى ذلك ، فالاتجار بالإساءة ، والهجو دون وازع ، واظهار المثالب ، كانت من أهم الأسباب عنده ، فذم أولي الأحساب ، وتمرس بالطعن على أدباء العصر « 3 » ، حتى اشتهر ذلك عنه ، فهان على نفسه ، وابتذله الناس . وقد كان له مع الوزير ابن باجة ، أبي بكر - آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس - ( المتوفى سنة 523 ه ) ، أخبار مجلية ، فضحت هذا التزلف ، وكشفت عن العطن في نفسه ، والخواء في قلبه ، إذ حقد عليه ابن خاقان ، وتنقص منه في نفسه ودينه .
ولقد قيل من الأسباب في معاداتهما ، أن الوزير ابن باجة ، تهاون برغبة الفتح ، إذ هم بتصنيف قلائده ، فلم يعرها الاهتمام الكافي ، فينفذ إليه من الأدب والمال ، بما يرضيه « 4 » .
ولعل الوجه الآخر الذي أرث حقد الفتح على ابن باجة ، هو ما كان من إزراء ابن باجة به ، وإساءته له في مجلس إقرائه ، إذ جعل الفتح يتفاخر بما وصله به أمراء الأندلس ، ووصف حليا ، وكان يبدو من أنفه فضلة خضراء اللون - زعموا - ، فقال له : " فمن تلك الجواهر ، إذن الزمردة التي على شاربك ؟ " « 5 » ، فحقد عليه ، وجعله
هامش
( 1 ) نفسه : 76 .
( 2 ) معجم الأدباء : 16 / 186 ، وشذرات الذهب : 4 / 107 .
( 3 ) النفح : 7 / 34 .
( 4 ) معجم الأدباء : 16 / 188 .
( 5 ) النفح : 7 / 30 .