بقطرة ، وأتلفت السنة المال ، وأيقنّا بالهلاك . فو اللّه إنّي لفي ليلة صنّبرة « 110 » ، بعيدة ما بين الطرفين ، تتصايح صبياننا من الجوع : عبد اللّه وعديّ وسفّانة ، فقام حاتم إلى الصبيين ، وقمت أنا إلى الصّبية ، فو اللّه ما سكنوا إلّا بعد هدوّ من الليل ، وأقبل يعلّلني بالحديث ، فعرفت ما يريد ، فتناومت . فلمّا تهوّرت النجوم « 111 » إذا بشيء قد رفع كسر البيت « 112 » .
فقال حاتم : من هذا ؟ ( فولّى ثم عاد . فقال حاتم : من هذا ؟ فولّى ثم عاد ، ثم أتى آخر الليل ) « 113 » فقال حاتم : من هذا ؟ فقالت : جاريتك فلانة ، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذّئاب من الجوع ، فما وجدت معوّلا إلّا عليك أبا عديّ . فقال لها : أعجليهم ، فقد أشبعك اللّه وإيّاهم . فأقبلت المرأة تحمل اثنين ، ويمشي إلى جانبيها أربعة ، كأنها نعامة حولها رئالها « 114 » . فقام حاتم إلى فرسه ، فوجأ لبّته بمديته ، فخرّ صريعا ، ثم كشطه ، ودفع المدية إليّ ثم قال : شأنك . فاجتمعنا حوله ، وأجّجنا نارا ، وجعلنا نشوي ونأكل ، ثم جعل حاتم يأتي بيتا بيتا ويقول : هبّوا أيّها النوّام ، عليكم بموضع النّار ، والتفع هو بثوبه ، فو اللّه ما ذاق منه مزعة « 115 » واحدة ، وإنه لأحوج إليها منّا . فأصبحنا ، وما على وجه الأرض من الفرس إلا عظم وحافر ، وأنشأ في ذلك حاتم يقول :
مهلا ، نوار ، أقلّي اللّوم والعذلا * ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه * مهلا وإن كنت أعطي الحيّ والحفلا
هامش
1 / 243 : حدبا حدابير ، وهي جمع حدبار وحدبير : صفة للناقة العجفاء الضامرة .
( 110 ) الصنبرة : الباردة ، وفي الأصول : صبيرة ، والصّبير : السحاب الأبيض لا يكاد يمطر ، وصبّارة الشتاء : شدة البرد .
( 111 ) تهورت النجوم : غاب أكثرها .
( 112 ) كسر البيت : أسفل الشقة التي تلي الأرض من الخباء .
( 113 ) إضافة من ( ب ) .
( 114 ) الرئال ج رأل : ولد النعام .
( 115 ) المزعة : القطعة من اللحم .