ذراعا ، فباد ما على وجه الأرض من الخلق ، من كل شيء فيه الرّوح أو شجر ، فلم يبق من الخلائق إلّا نوح ومن معه في الفلك ، وإلّا عوج بن عنق « 91 » - فيما يزعم أهل الكتاب فكان بين أن أرسل اللّه الطّوفان وبين أن غاض الماء ستّة أشهر وعشر ليال .
وكان نوح ركب في السفينة ومن معه لعشر ليال مضين من شهر رجب ، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرّم ، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء ، وخرج الماء نصفين ، فذلك قوله تعالى :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ
يقول : منصبّ ،
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
« 92 » . فصار الماء نصفين ، نصف من السّماء ، ونصف من الأرض ، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا ، فسارت بهم السفينة ، فطافت بهم الأرض كلّها في ستّة أشهر لا تستقرّ على شيء ، حتى أتت الحرم ، فلم تدخله ، فطافت بالحرم أسبوعا ، وقد رفع اللّه البيت من الغرق ، والحجر الأسود على جبل أبي قبيس . فلمّا دارت السفينة بالحرم ذهبت في الأرض تسير على وجه الماء حتى انتهت إلى الجوديّ ، وهو جبل بالحصنين من أرض الموصل « 93 » ، فاستقرّت بعد ستة أشهر لتمام السّبع ، فقيل بعد الستّة الأشهر « 94 » :
بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 95 » .
فغرق بنو قابيل كلّهم : ومن بين نوح إلى آدم ، ومن كان أبى عن الإسلام . فلما استقرّت السفينة على الجوديّ
قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
يقول : انشفي ماءك ، ويا سماء أقلعي ، يقول : احبسي ماءك : و
غِيضَ الْماءُ
نشفته الأرض ، فصار ما نزل من السّماء هذه البحور التي ترون في الأرض . ويقال : ما بقي في الأرض من
هامش
( 91 ) في الأصول والطبري : عوج بن عنق ، وفي اللسان والقاموس المحيط : عوج بن عوق : رجل ذكر من عظم خلقه شناعة ، وذكر أنه كان ولد في منزل آدم فعاش إلى زمن موسى عليه السلام ، وأنه هلك على عدّان موسى ، وهو الذي قتله موسى .
( 92 ) سورة القمر ، الآيتان 11 و 12 .
( 93 ) هذه رواية الأصول ، وفي الطبري 1 / 185 : وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل ، ولم تتفق المصادر حول موقع هذا الجبل ، قيل : هو جبل بآمد ، وقيل جبل بالجزيرة ( اللسان ) ، وفي معجم البلدان : جبل مطلّ على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل ، عليه استوت سفينة نوح ، وفي مفردات الراغب الأصفهاني :
قيل هو اسم جبل بين الموصل والجزيرة ، وقد جاء ذكره في قوله تعالى :وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ( سورة هود ، الآية 44 ) .
( 94 ) في الطبري : بعد السبعة الأشهر .
( 95 ) سورة هود ، الآية 44 ، والخبر في الطبري 1 / 185 ، باختلاف يسير .