وحق لمن أيقن بمعبوده ومعاده ، وصدق رسوله في دعوته ورشاده ، أن يصرف بعد معرفة اللّه وتوحيده العناية إلى معرفة شرع رسوله ويراعيه حق الرعاية فيتعلم كتاب اللّه العزيز الحميد ، المكرر فيه الوعد والوعيد ، ويحفظ شرع رسوله الداعي إلى الهدى والتسديد ، الذي قام للّه - تعالى - بالإبلاغ والبيان ، فألزم الحجة ، وحمل على المحجة ، وثبت ذلك بنقل الصحابة المرضين ، المأمورين بالإبلاغ عند من شاهدوه من المتبعين ، فهم السابقون إلى الإيمان ، المستحبون للتحقق والإحسان ، فقال تعالى :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ . . .
الآية [ التوبة : 100 ] .
فيرغب في معرفة مراتبهم من السابقة والهجرة والمؤازرة والنصرة من رضي سمتهم واعتقد عقدهم من الانقياد للّه تعالى فيما استعبدهم والاستسلام للرسول صلى اللّه عليه وسلّم فيما شرع لهم ؛ فتركوا المعارضة والمعاندة ، ولزموا الموافقة والمتابعة ، عادلين عما يعرض في النفوس من الآراء ، تاركين لما تميل إليه القلوب من الأهواء ، فنالوا بذلك المنازل الرفيعة ، واستفتحوا المناقب الشريفة ، وسلموا من المعايب والفضيحة .
فاستخرت اللّه - تعالى - واستعنت به فأجبته إلى ما ألتمس ، معتمدا عليه ؛ فألفت هذا الكتاب ، وبدأت بأخبار في مناقبهم ومراتبهم ، ثم قدمت ذكر العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأتبعتهم بمن وافق اسمه اسم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم رتبت أسامي الباقين على ترتيب حروف المعجم ، اقتصرت من جملتها ما بلغ منهم على حديث أو حديثين فأكثر مع ما ينضم إليه من ذكر المولد والسن والوفاة في من لم يقع له حديث فيه له ذكر أو روي له خبر ذكرته بعد إلغاء الأوهام والموضوعات مما لا حقيقة له ، ولم يشتمل على ذكره مسانيد الأئمة والأثبات ، ولا دونته تواريخ الحفاظ الذين هم العمدة والأوتاد الذي يشتغل بجمعه وذكره من غرضه المكاثرة للمفاخرة ، لا التحقق بذكر الحقائق للإبلاغ والمتابعة ؛ ليكون ذلك دليلا على معرفته ، نسأل اللّه نفعه والمعونة عليه والتوفيق فيه بلطفه ورأفته .
[ ذكر اخبار في معرفة مناقب الصحابة ومراتبهم ]
معرفة فرق ما بين المهاجرين والأنصار :
1 - حدثنا حبيب بن الحسن بن داود القزاز ، ثنا موسى بن هارون بن عبد اللّه ، ثنا يحيى بن عبد الحميد ، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل ، حدثني حمزة بن أبي أسيد قال : أخبرني الحارث بن زياد الساعدي أنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلّم يوم الخندق ، وهو يبايع الناس على الهجرة ، فظننا أنهم يدعون إلى البيعة ، فقال يا رسول اللّه : بايع هذا على الهجرة فقال : « ومن هذا ؟ » قال : هذا ابن عمي خوط بن يزيد - أو يزيد بن