السبب الذي حدا بي إلى تقديم « جذوة المقتبس » للحميدىّ عليه وعلى كتابي : « قضاة قرطبة ، وعلماء إفريقيّة » للخشنىّ ؛ هو أنّ الجذوة لم يسبق أن تقدّم لنشره هيئة :
من الهيئات العلميّة ؛ أو أحد : من المعتنين بنشر المخطوطات القديمة ؛ بخلاف الباقي .
فلهذا كان : أولى بالتقديم والاهتمام ، وأحرى بالنشر والإخراج .
* * * والذي دعاني إلى العناية بكتابنا هذا ونشره ، وحملني على تقديمه للمكتبة العربية - هو : نفاده من الأسواق العلمية « 1 » ، واحتياج جمهرة الباحثين إليه ، ورغبتهم في الوقوف على كلّ ما كتب عن حياة علماء وأدباء تلك البلاد التي كانت فردوس الدنيا وموئلا للإسلام في أزهى عصوره ، ومصدرا للعلم في أهمّ أدواره ، ومنتدى للأدب في أيام ازدهاره . وقد أقدمت على إخراجه - متوكلا على اللّه سبحانه وتعالى - : بعد أن رجعت ببعض أعلامه إلى مظانّها .
* * *
[ المؤلف ]
أما المؤلف فقد قال عنه الحميدىّ في « جذوة المقتبس » وابن عميرة الضّبّىّ في « بغية الملتمس » - :
هو : أبو الوليد : عبد اللّه بن محمد بن يوسف الأزدىّ ؛ المعروف : بابن الفرضىّ .
كان حافظا متقنا عالما ، ذا حظّ من الأدب . - وافر .
قال الحميدىّ : أخبرني أبو محمد علىّ بن أحمد ؛ قال : أخبرني أبو الوليد بن الفرضىّ ؛ قال : « تعلّقت بأستار الكعبة ، وسألت اللّه : الشّهادة ؛ ثم انحرفت ، وفكّرت :
في هول القتل ؛ فندمت وهممت أن أرجع : فأستقيل اللّه ذلك ؛ فاستحييت » .
قال أبو محمد : فأخبرني من رآه بين القتلى : فدنا منه ، فسمعه يقول بصوت ضعيف - وهو في آخر رمق - : « لا يكلم أحد في سبيل اللّه - : واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله . - إلّا جاء يوم القيامة : وجرحه يشخب « 2 » دما ، اللون : لون الدم ، والرّيح :
هامش
( 1 ) بعد نشره ضمن مجموعة « المكتبة الأندلسية » بمدينة مجريط : عام 1890 م .
( 2 ) أو : « يثعب » كما في الجذوة . أي : يسيل .