مزايا الكتاب وضرورة نشره :
لم أحرص على نشر هذا الكتاب ، وسرعة جعله في متناول القراء ليكون غذاء فكريا نافعا فقط ؛ فهناك بين يدي ما هو أكثر قيمة منه ، وأعظم أهمية . وقد ترددت كثيرا قبل أن أقدم على نشره حين شممت في جوانب من أخباره رائحة الوضع والتلفيق ، ثم استخرت اللّه في ذلك ، وعزمت على تحقيق الكتاب ، فضلت أن يتم ذلك على يدي قبل أن يتناوله غيري ممن قد لا يتنبه إلى مواطن الضعف فيه ، فتكون هذه النقاط ثغرة ومنفذا للطعن على التاريخ العربي ، وصانعي هذا التاريخ ، ويكون سهوهم عن بعض الروايات الملفقة وسيلة لتقديم مادة دسمة لأعداء الأمة والذين يعملون على هدم أمجادها .
فبعض أخبار هذا الكتاب لا نعثر عليه في التاريخ العربي مطلقا ، وربما تنافى مع حقائق هذا التاريخ « 1 » ، وبعضها الآخر نجد له طرفا في رواية صحيحة « 2 » ، نقرؤه في تلك الرواية فنقبله ، ولا ننكر منه شيئا ، وحين نقرؤه في رواية الضبي نحس بوهن الأساس الذي بني عليه ، وندرك على الفور أن أن من لفق الرواية وتزيد فيها لا يريد أن ينصر طرفا على طرف ، ولا يريد أن يثبت حق علي ، ويكشف باطل معاوية ، ولكنه يسيء إلى شيعة علي وأنصار معاوية معا ؛ إن هؤلاء الصحابة الذين وقفوا إلى جانب علي ، وآزروه ونصروه ما كانوا يلينون في مجابهة خصم ، أو يضعفون أمام متسلط « 3 » ، وكان معاوية يطأطئ رأسه أمامهم ، وحين يعرض بهم - ولو من طرف خفي - نجدهم يسلقونه
هامش
( 1 ) مثال ذلك ما ورد في خبر حجر فالتاريخ لا يذكر له وفودا على معاوية غير القدمة التي قتل فيها ، وقد قتل من غير أن يراه معاوية .
( 2 ) مثال على هذا خبر عمرو بن واثلة مع معاوية .
( 3 ) تقدم تفصيل هذا في ص 5 ، ونجد له مصداقا في أخبار الأحنف وجارية وشريك .
وهو يبدو بوضوح أكثر في رواية الحافظ ابن عساكر لأخبار الوافدين .