يرفع من شأن خصومه . فجدير بالحافظ الكبير ألا يرويه ، ولكنه يروي كلمات صادقة مؤثرة ، صدرت عن امرأة مفجوعة بزوجها ؛ يروي قول آمنة بنت عمرو بن الشريد لرسول معاوية حين وضع لها رأس زوجها في حجرها :
« ارجع أيها الرسول إلى معاوية ، وقل له : أيتم اللّه ولدك ، وأوحش منك أهلك ، ولا غفر لك ذنبك » .
ذكر التاريخ أن أصحاب معاوية طاردوا عمرو بن الحمق بعد معركة صفين ، وذكر أن رأسه كان أول رأس حمل في الإسلام ، وذكر أيضا أن عمرو ابن الحمق كان من أكبر رؤوس الفتنة زمن عثمان ، فلا بأس إذا أن يأتي ابن عساكر ليعمق هذا الحدث التاريخي ، ويستخرج منه العظة والعبرة .
وهكذا سواء كنا في معرض الحديث عن تاريخ دمشق ، أو عن غيره لا يسعنا في كل مجال إلا أن ننوه بفضل هذا الرجل ، ونشيد بذكره ، لحرصه على التاريخ العربي نقيا سليما ، بعيدا عن كل الشبهات . وما أروع مقدرته في تمحيص الأخبار ، وإبعاد ما كان يقصد منه واضعوه إلى النيل من العظماء ، والحط من شأن دهاة العرب ، وقادة المسلمين .
من هذا المنطلق إذا لم يترجم ابن عساكر كلّ الوافدات على معاوية من النساء . وهل هناك دلالة أقوى من الوفود على معاوية ليقال إن المرأة دخلت دمشق . وليعد القارئ إلى خبر أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ، وغيرها من النسوة اللواتي وفدن على معاوية ولم يترجمهن الحافظ في التاريخ فإنه سيدرك بقوة لماذا أعرض عنهن ، لأنه سيلاحظ آثار الوضع في هذه الأخبار ، وما قصد إليه واضعوها من تشويه التاريخ والإساءة إلى العظماء « 1 » .
صفة الأصل المخطوط :
الكتاب الذي أقدمه للقراء عن أصل فريد محفوظ في مكتبة الاسكوريال في مدريد تحت رقم 467 ضمن مجموع يسبقه فيه كتاب : « الوافدين من
هامش
( 1 ) انظر حديث أروى بنت الحارث ص 47 .