وجاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني ( ت : 472 ه ) فسلط الأضواء على المجاز في كتابيه « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » فكان المنظّر البياني في التطبيق القرآني للمجاز ، حتى بلغ البحث المجازي على يديه مرحلة النضج العلمي والتجديد البلاغي ، فعاد كلا منسجما ، وقالبا واحدا متجانسا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لمفهوم المجاز .
وأتى بعد هؤلاء جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري ( ت : 538 ه ) فاغترف من بحري الرضي والجرجاني ، ما قوّم به أوده ، وصحّح منهجه ، وأضاف دقة الاختيار ، ولطف التنظير .
فكان الزمخشري وهؤلاء الأقطاب الثلاثة قد دفعوا بمجاز القرآن فنا إلى مرحلة التأصيل ، وبلغوا به شوطا إلى قمة التأهيل ، فعاد معلما بارزا في التشخيص ، وعلما قائما يشار إليه بالبنان .
وسنقتصر في الحديث عند هذه المرحلة على هؤلاء الأعلام ضمن حدود مقتضبة ، ولمسات إشارية عاجلة ، مهمتها إعلام الجهود ، وإنارة المعالم ليس غير .
ولا يعني التأكيد على هؤلاء الأعلام : الغض من منزلة الآخرين ، أو بخس البلاغيين حقوقهم ، ولكن التوسع في « مجاز القرآن » عند ابن قتيبة والشريف الرضي وعبد القاهر والزمخشري ، قد فاق في مرحلة التأصيل ، واستقرار المصطلح المجازي ، حدود الإشارة والاختصار عند غيرهم ، وهو ما وقفنا عليه ، لهذا فإن حديثنا عنهم أمس صلة ، وألصق لحمة ، بمرحلة التأصيل منه عند سواهم .
ومع هذا فقد أشرنا في نهاية هذا المبحث إلى طائفة من الأعلام الذين ساهموا بإمكانات متفاوتة في هذا المجال :
1 - عقد ابن قتيبة ( ت : 276 ه ) بابا خاصا للمجاز في كتابه :
« تأويل مشكل القرآن » « 1 » . ويبدو أن الهدف من ذلك كان كلاميا ، لأن أكثر
هامش
( 1 ) حققه في طبعة منقحة الدكتور السيد أحمد صقر وطبع عدة مرات : مطبعة الحلبي .