تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
حسد ، ولأن فيه إبهاما خاصا ستعلم حكمته بعد قليل ، يعوذ برب الفلق من شر ما خلق ، هكذا بالتنكير وبما الموصولة الشاملة ، وفي هذا التنكير والشمول ، يتحقق الغموض ، والظلام المعنوي في العموم ، « ومن شر غاسق إذا وقب » ، الليل حين يدخل إلى كلّ شئ وحين يمسى مخوفا مرهوبا ، « ومن شر النفاثات في العقد » ، وجوّ النفث في العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام ، بل هنّ لا ينفثن غالبا إلا في الظلام ، « ومن شر حاسد إذا حسد » ، والحسد انفعال باطني مغمور في ظلام النفس ، غامض مرهوب كذلك ، فالجوّ كله رهبة وغموض ، وهو يستعيذ من هذا الظلام باللّه ، واللّه رب كل شئ ، فلما ذا خصصه بالفلق ، لينسجم مع جو الصورة كلها ، ويشترك فيه ، وكان المتبادر للذهن أن يعوذ من الظلام برب النور ، ولكنّ الذهن ليس هنا المحكّم - إنما المحكم هنا آلة التصوير الدقيقة فالنور يكشف الغموض المرهوب ، ولا يتسق مع جو الغسق والنفث في العقد ، ولا مع جو الحسد ، والفلق يؤدى معنى النور من الوجهة الذهنية ، ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية ، التي تجمع بين النور والظلمة ، ولها جوّها الغامض المسحور . ثم ما أجزاء الصورة هنا ؟ أو محتويات المشهد ، هي من ناحية الفلق والغسق مشهدان من مشاهد الطبيعة ، ومن ناحية النفاثات في العقد والحاسد إذا حسد مخلوقان آدميّان . . . فالجو قائم على أساس من هذه الوحدة في الأجزاء والألوان ، وليس في هذا البيان شئ من التمحل ، وليست هذه الدقة بلا هدف ، وليس الهدف حلية عابرة ، فالمسألة ليست مسألة ألفاظ ، أو تقابلات ذهنية ، وإنما هي مسألة لوحة وجو وتنسيق ، وتعاملات تصويرية تعدّ فنا رفيعا من التصوير يلفت النظر إذا أداه مجرد التعبير 21 . هذا النص يدل على كثير غيره ، بل هناك ما هو أجود منه في التحليل الأدبي وبخاصة فيما كتبه الأستاذ عن القصة القرآنية فقد جاء كلامه رائعا فائقا غير مسبوق . ومما أخذ على الأستاذ أنه اعتبر الأداء الوجداني هو سرّ الإبداع في الإعجاز ، وقد عارضه الأستاذ عبد المنعم خلاف فوضّح أن المنطق العقلي جناح آخر للإعجاز ، وهذا ما وافق عليه الأستاذ قطب مؤكدا أنه لم يغفل جانب المنطق ، ولكن هذا الجانب لا يأتي جافا كما في كتب العلوم بل يضيء بشعاع التصوير الأدبي فلا خلاف 22 وقد ظهر هذا الاتجاه