وأوجب بها حكما من الأحكام ، ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم ، فقد تناقض ) 2 .
( 2 )
[ أسباب توهم التعارض ]
وقد ذكر العلماء لتوهم التعارض أسبابا ترجع في جملتها إلى ما يأتي :
الأول : وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى :
( أ ) فقد أخبر الله - عز وجل - أنه خلق آدم من تراب . فقال
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
الآية : 59 من آل عمران .
وأخبر أنه خلقه من طين ، فقال :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
الآية : 7 من سورة السجدة .
وأخبر أنه خلقه من صلصال من حمأ مسنون ، فقال :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
الحجر : 26 .
وأخبر أنه من صلصال كالفخار ، كما جاء في سورة الرحمن .
فهذه أطوار خلقه بداية من التراب إلى الصلصال الذي يشبه الفخار ، ذكر كل طور في الموضع الذي يناسبه في السياق والمضمون والنظم وغير ذلك من المناحى البلاغية .
فالجمع بين ما ورد في هذه الآيات وما يماثلها ممكن وبالتالي لا يكون بينها تعارض .
( ب ) وأخبر - جل شأنه - عن عصا موسى حين ألقاها بخبرين يتوهم متوهم أنهما متعارضان ، وذلك في قوله تعالى :
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
الشعراء 32 .
وقوله جل شأنه :
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ
الآية : 31 من سورة القصص .
( والجان : الصغير من الحيات ، والثعبان :
الكبير منها ؛ وذلك لأن خلقها كخلق الثعبان العظيم ، واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفّته ) 3 . قاله الزركشي في « البرهان » ، ونقله عنه السيوطي في « الإتقان » .
يضاف إلى هذين الخبرين خبر آخر جاء في سورة طه : ( 20 ) . قال - جل شأنه :
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
.
فهذه الأخبار الثلاثة تدل على أطوار العصا في تقلّبها ؛ فهي في أول أمرها بدت للناظرين حية صغيرة دقيقة ، ثم تورّمت وتضاعف جرمها حتى صارت ثعبانا ، فلا تعارض إذن في هذه الأخبار .