تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
وفي وجود المتشابه - كذلك - نوع ابتلاء من اللّه تعالى ؛ ليعلم العبد من نفسه هل هو مؤمن بما أخبره الشارع به من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل فيها ، أم هو لا يزال في الطريق إلى هذا الإيمان السامي الذي جعله اللّه أول أوصاف المتقين في سورة البقرة حيث قال :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
. وهذه الحكمة ظاهرة في المتشابه الذي استأثر اللّه بعلمه وما ليس للعباد فيه علم كاف بوقته وقدره ونوعه وحقيقته 4 .

( 7 ) [ المتشابه الذي استأثر اللّه بعلمه ]

والمتشابه الذي استأثر اللّه بعلمه ، كالحروف المقطعة في فواتح بعض السور ، وكآيات الصفات التي لا ينبغي حملها على ظواهرها - اختلف العلماء في تأويلها على ثلاثة مذاهب . الأول : مذهب السلف - رضوان اللّه عليهم - وهو أقومها طريقة ، وأهداها سبيلا ؛ فقد قرروا أن الإيمان بالمتشابهات ، وتفويض أمر العلم بها إلى اللّه - تعالى - ورسوله واجب ، مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد ؛ لقيام الأدلة القطعية على خلافه . فما دلت عليه النصوص الشرعية الصريحة عملوا به ، وما تشابه عليهم وفهم المراد منه - وكان متعلقا بالعقيدة - آمنوا به وأجروه على ظاهره وفوّضوا علم كمّه وكيفه وحقيقته إلى اللّه - تعالى - وأثبتوا له - جل شأنه - ما أثبته لنفسه من غير خوض في تفصيله ؛ تأدبا مع خالقهم - جل وعلا - ووقاية لأنفسهم من وعيد من أفتى بغير علم ، وتقوّل على اللّه ما لم يقله . فالمتشابهات بوجه عام لا يتعين المراد منها على التحقيق إلا بنص صحيح من الشرع ، وحيث لا يكون هناك نص صحيح صريح بقي المتشابه على حاله ، فتكون دلالته على المراد ظنيّة ، والأمور الاعتقادية لا يكفى فيها الظن ، بل لا بد فيها من اليقين ، ولا سبيل إلى معرفة اليقين في معرفة المتشابه من الصفات ، وهي من الأمور العقدية ، فوجب التوقف فيها وعدم الخوض في تأويلها وردها في جملتها إلى المحكم الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا . وعماد المحكم في باب الصفات قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
. هذا هو خلاصة مذهب السلف الصالح من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان . وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بنصوص من الكتاب والسنة وأقوال علمائهم الأعلام ، ووجدوا فيها السلامة لدينهم والنجاة من عذاب ربهم .