تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
وقوله :
لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وتقدير المحذوف هو « قلنا لهم » 4 . ودليل الحذف - هنا - هو سياق الكلام ، لأن قوله تعالى :
لَقَدْ جِئْتُمُونا
فيه التفات إلى الخطاب من الغيبة ، ففي صدر الآية كان الكلام حديثا عن مشهد من مشاهد يوم القيامة ، وهو عرض العباد على اللّه وكان الحديث عنهم بطريق الغيبة
وَعُرِضُوا
ثم التفت من هذه ( الغيبة ) إلى خطابهم :
لَقَدْ جِئْتُمُونا
فلزم تقدير محذوف بين الغيبة والخطاب وهو : قلنا لهم ، أو : نقول لهم . والتركيب المحذوف هنا جملة فعلية . أما الداعي البلاغي للحذف في الآية ، فهو إحكام النظم بحذف فضول الكلام ؛ لأن التحول فيها من الغيبة قرينة قوية على إدراك التركيب المحذوف ، لأنه لا يستقيم النظم إلا بتقدير التركيب المحذوف ، الذي قد اقتضاه طرفا الكلام ، وأرشدا إليه حتى لكأنه مذكور في الكلام صراحة . ومن الإيجاز بحذف التركيب الواحد ، أو الجملة في القرآن الكريم قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
5 . وموطن الحذف في الآية بين قوله تعالى :
فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
وتقدير المحذوف هو : « ألستم ظالمين » 6 - وهو جملة اسمية ودليل الحذف هو قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
لأن الآية مسوقة مساق الإنذار والتهديد ، وتعقيب الكلام ينفى هداية اللّه القوم الظالمين تلويح لهم بأنهم ظالمون بكفرهم بكتاب اللّه . وليس في الآية ذكر لقوم ظالمين ينسحب عليهم هذا الوعيد ، فدل ذلك على أن المخاطبين هم المعنيون بهذا الوعيد إن لم يوقنوا بما أنزل اللّه على خاتم رسله . أما الداعي البلاغي للحذف في الآية ، فهو القصد إلى لين الخطاب في الدعوة ، وتجنب تيئيس المخاطبين من رحمة اللّه ، فلم يواجههم بأنهم هم الظالمون وأخرج الكلام مخرج العموم ، حتى لكأن الظالم هو غير المخاطبين . وفي ترك المواجهة لهم بأنهم هم الظالمون ، الذين لا يهديهم اللّه إفساح المجال لهم ، لمن أراد أن يؤمن منهم ، ولا نزاع في أن بعضهم آمن واهتدى بعد فتح مكة المكرمة . فتأمل