الاحتجاج على من أنكر حدوث العالم
وأما الاحتجاج على من أنكر الحدوث مع ما تقدّم ، فهو إنّا لما رأينا هذا العالم المتحرّك متناهية أزمانه وأعيانه وحركاته وأكوانه ، وجميع ما فيه ، ووجدنا ما غاب عنّا من ذلك يلحقه النهاية ، ووجدنا العقل يتعلّق بما لا نهاية ، ولولا ذلك لم يجد العقل دليلا يفرّق ما بينهما ، ولم يكن لنا بدّ من إثبات ما لا نهاية له معلوما معقولا أبديا سرمديا ليس بمعلوم أنه مقصور القوى ولا مقدور ولا متجزئ ولا منقسم ، فوجب عند ذلك ان يكون ما لا يتناهى مثل ما يتناهى .
وإن قد ثبت لنا ذلك ، فقد ثبت في عقولنا أنّ ما لا يتناهى هو القديم الأزليّ وإذا ثبت شيء قديم وشيء محدث ، فقد استغنى القديم الباري للأشياء عن المحدث الذي أنشأه وبرأه وأحدثه ، وصحّ عندنا بالحجّة العقلية أنه المحدث للأشياء وأنه لا خالق إلا هو ، فتبارك الله المحدث لكلّ محدث ، الصانع لكلّ مصنوع ، المبتدع للأشياء من غير شيء .
وإذا صح أني لا أقدر أن أحدث مثلي استحال أن يحدثني مثلي ، فتعالى المحدث للأشياء عمّا يقول الملحدون علوّا كبيرا .
ولمّا لم يكن إلى إثبات صانع العالم طريق إلا بالعقل لأنّه لا يحسّ فيدركه العيان أو شيء من الحواس ، فلو كان غير واحد بل اثنين أو أكثر لأوجب العقل عدّة صنّاع كما أوجب إثبات الصانع الواحد ، ولو كان صانع العالم اثنين لم يجر تدبيرهما على نظام ، ولم ينسق أحوالهما على أحكام ، ولا تمام ، لأنه معقول من الاثنين الاختلاف في