تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
كاذِبِينَ
فقوله - ما نراك إلا بشرا مثلنا - تعريض أنهم أحق بالنبوة منه وأن اللّه لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملائكة وموازن لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها ، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنهم - وما نرى لكم علينا من فضل - . ومن مشكلات التعريض حديث عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه قال : حكت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج ذات يوم وهو محتضن أحدا بني ابنته وهو يقول : « واللّه إنّكم ، لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنّكم لمن ريحان اللّه وإنّ آخر وطئة وطئها اللّه بوج » . اعلم أن - وج - واد بالطائف ، والمراد غزاة حنين ، واد قبل وج ، لأنها آخر غزاة وقع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المشركين ، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين ، فلم يكن فيهما وطأة اي قتال ، وإنما كانتا مجرد مخروج إلى الغزاة حسب من غير ملاقاة العدو أعني ، ولا قتال لهم ، ووجه عطف هذا الكلام وهو قوله - وان آخر وطأة وطئها اللّه بوج - على ما قبله من الحديث وهو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان ، ووفاته كانت في ربيع الأول من سنة احدى عشرة وبينهما سنتان ونصف ، وكأنه قال - وإنكم من ريحان اللّه - أي من رزق اللّه ، وأنا مفارقكم عن قريب إلا أنه صانع عن قوله وأنا مفارقكم عن قريب بقوله - وان آخر وطأة وطئها اللّه بوج - فكان ذلك تعريضا لما أراده وقصده من قرب وفاته ومفارقته إياهم يعني أولاده ، وهذا من أغرب التعريضات وأعجبها . ومن هذا الباب قول الشميدر الحارثي :
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما * دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
فإن ليس قصده الشعر ، بل قصده ما جرى بينهم بهذا الموضع من
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 198 | ابن قيم الجوزية