3 . المعاد مجلى الوعد الإلهي
وعد سبحانه المطيعَ بالثواب والعاصيَ بالعقاب ، فله أن يغضَّ النظر عن عقاب العاصي لأنّه حقه ، ولكن ليس له غض النظر عن الوعد للفرق بين الوعد والوعيد .
أمّا الأوّل فيجب العمل به ويعدُّ خُلْفه قبيحاً ، بخلاف الوعيد فلا يعدُّ خُلفه إخلالًا بالعدل ، وقد صبّ الشاعر المفلق هذا المعنى في قالب شعريٍّ وقال :
وانّي إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
وقال الآخر :
إذا وعد السّراء انجز وعده * وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانع
وإن شئت قلت : الخلف في الوعد إسقاط لحقّ الغير . وإمساك عن أداء ما عليه من الحقّ ، وأمّا الوعيد فانّه إسقاط لحقّ نفسه ، والعقل يستقل بقبح الأوّل دون الثاني .
وعلى ضوء ذلك فله سبحانه أن يغضَّ النظر عن العاصي دون العمل بوعده للمطيع فلابدّمن يوم يكون مجلى لإنجاز وعده وإظهار عدله .
وهذا البرهان يمتاز عمّا سبقه ، بأنّ السابق بصدد بيان انّ التسوية بين المطيع والعاصي أمر قبيح سواء أكان هناك وعداً ووعيداً أم لا ، ولذلك قلنا : إنّه لو كان الجميع مطيعين فلا يضرّ عدم الإثابة بعدله ، أو كانوا عاصين فلا يخلُّ العفو كذلك ، وإنّما المخل هو التسوية بين المطيع والعاصي .
وأمّا هذا البرهان ، فهو مبني على مقدمة شرعية وحكم عقلي .