وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ » .
قال ابن هشام : لمّا تجلّى عن عبد اللَّه بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ( الآية الأولى ) طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول اللَّه أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل اللَّه عزّ وجلّ فيهم : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا . . . » .
فلمّا نزل القرآن بهذا وفرّج اللَّه تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول اللَّه العير والأسيرين . وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد اللَّه والحكم بن كيسان ( الأسيرين ) ، فقال رسول اللَّه لانفديكموهما حتّى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما ، نقتل صاحبيكم ، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم منهم .
فأمّا الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول اللَّه حتّى قتل يوم بئر معونة شهيداً ، وأمّا عثمان بن عبد اللَّه فلحق بمكّة حتّى مات بها كافراً .
هذا كلّه راجع إلى حكاية القصّة بجزئيّاتها وأمّا تحليل الحادثة وتوضيح الجواب الذي جاءت به الآية الأولى فهو بالشكل التالي .
لاشك أنّ عمل عبد اللَّه بن جحش لم يكن خاضعاً للضوابط العسكرية ، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالقتال بل أمر بإستطلاع أخبار القوم ونقل أخبارهم إليه ، فقتاله كان عصياناً لأوامر قائده أوّلًا وهتكاً لقداسة الشهر ثانياً ، ولأجل ذلك لمّا جاء إلى النبيّ لم يقبل منه العير والأسيرين وانتظر الوحي الإلهي حتّى وافاه ، وليس من الصحيح أن يؤاخذ الأمير ورئيس القوم بإجرام واحد من قادة عسكره .
وإليه يشير قوله سبحانه : « قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ » أيإنّ القتال فيه وإن كان صغيراً في نفسه : أمر كبير مستنكر لعظيم حرمته ، ولكن الذي ينبغي إلفات النظر إليه هو أنّ الناقدين أعني قريشاً قد ارتكبوا جريمة أكبر ممّا إرتكبه ذلك القائد
مفاهيم القرآن — صفحة 287
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٨٧