تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
طريق الفكر واستخدام الدليل ، بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب ، ولايجرّه إلى الغفلة عنه إلّا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها ، وهي مع ذلك غفلة عن أمر موجود مشهود لازوال علم بالكلّية ومن أصله ، فليس في كلامه تعالى ما يشعر بذلك البتة ، بل عبّر عن هذا الجهل بالغفلة وهي زوال « العلم بالعلم » لازوال أصل « العلم » . فهذا ما يبيّنه كلامه سبحانه ويؤيّده العقل بساطع براهينه والذي ينجلي من كلامه تعالى أنّ هذا العلم المسمّى بالرؤية واللقاء يتم للصالحين من عباداللَّه يومالقيامة . فهناك موطن التشرّف بهذا التشريف ، وأمّا في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ، ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية فهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربّه كادح إلى ربه كدحاً ليلاقيه ، فهو ما زال في طريق هذا العلم لنيتم له حتى يلاقي ربّه . فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته اللَّه تعالى لنفسه وسمّاه رؤية ولقاء ، ولايهمّنا البحث من أنّها على نحو الحقيقة أو المجاز ، فإنّ القرائن كماعرفت قائمة على إرادة ذلك فان كانت حقيقة كانت قرائن معيّنة ، وإن كانت مجازاً كانت صارفة ، والقرآن الكريم أوّل كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع ، فالكتب السماوية السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن إثبات هذا النوع من العلم باللَّه وتخلو عنه الأبحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل ، فإنّ العلم الحضوري عندهم كان منحصراً في علم الشيء بنفسه حتى كشف عنه في الإسلام فللقرآن المنّة في تنقيح المعارف الإلهية « 1 » إنتهى . وما ذكره ( قدس اللَّه سره ) متين وقدسبقه إليه العرفاء الشامخون في تفسير
هامش
( 1 ) . الميزان : ج 8 ، ص 249 - 253 ، طبعة طهران . وأذكر كلام سيّد الموحدين أمير المؤمنين حيث قال : تدركه القلوب بحقائق الإيمان نهج البلاغة : الخطبة 174 .
مفاهيم القرآن — صفحة 441 | الشيخ جعفر السبحاني