واللَّه سبحانه لمّا كان علّة للعالم إذ لا يستمدّ العالم بأجمعه وجوده من غير ذاته تعالى ، فالعلم بالذات علم بالحيثيّة الّتي هي سبب لتحقّق العالم وتكوّنه .
فالعلم بالذات ( كما عرفت ) علم بنفس النظام لأنّ النظام معلول له وصادر منه وهذا هو معنى قولهم الشائع : « العلم بالنظام الربّاني ، نفس العلم بالنظام الكياني » .
ويمكن توضيح البرهان ببيان مقدّمات .
الأُولى : إنّه تعالى علّء وفاعل لما عداه بحيث تكون الممكنات بجملتها مستندة إليه من وجوداتها وماهيّاتها ، غاية الأمر استناد جميع الوجودات الممكنات إليه تعالى يكون بالذات ، واستناد الماهيّات « 1 » إليه بالعرض .
الثانية : علّية شيء لشيء هي عبارة عن كونه على جهة وخصوصيّة يأبى أن لا يترتب عليه المعلول .
وإن شئت قلت : إنّ معنى علّية شيء لشيء اشتمال الشيء الأوّل على حيثيّة وخصوصيّة توجب - ايجاباً قطعياً - وجود المعلول في الخارج ، بحيث لولا هذه الحيثيّة لما يتحقّق المعلول .
ومن هذا يعلم انّ بين تلك الحيثيّة القائمة بالعلّة ووجود المعلول رابطة وصلة خاصة بحيث تقتضي نفس الحيثيّة ، ذلك المعلول ولولا تلك الصلة لكان نسبة المعلول إلى تلك الحيثيّة وغيرها سواسية مع أنّها ضرورية البطلان .
وبكلمة واضحة إذا كانت النار مبدأً للحرارة بحيث لا تنفك الثانية من الأُولى نستكشف عن رابطة بين الشيئين ، وإلّا يلزم أن تكن نسبة الحرارة إلى النار وسائر
هامش
( 1 ) . المراد بالماهيات هي خصوصيات الوجود وحدوده من المعدنية والنباتية والحيوانية فالخصوصيات التي تبيّن حدا الوجود وتشخّصه خصوصيات خاصة تسمّى بالماهية المتحققة في الخارج بالوجود .