تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
حاضرة لديها بلاتوسيط صورة بينها وبين الصورة . إذا وقفت على هذه المقدمات فاعلم أنّ البحث في علمه سبحانه تارة يقع في علمه بذاته ، وثانياً في علمه بالأشياء . فلنقدّم البحث الأوّل على الثاني .

علمه سبحانه بذاته :

فنقول : المراد من علمه سبحانه بذاته ، ليس علمه بها على نحو العلم الحصولي ، بمعنى أخذ صورة عن الذات ومشاهدتها عن طريق الصورة ، لأنّ العلم بها عن هذا الطريق محال في حقّه سبحانه ، لأنّ انتزاع الصورة فرع التعرّف على المنتزع ، فلو كان التعرّف عليها عن طريق انتزاع الصورة لزم الدور . وإن قيل تقدّم الصورة الحاكية عن الذات ، يلزم تركّبه من صورة وذيها . بل المراد حضور ذاته لدى ذاته ويمكن اثباته بوجهين : الدليل الأوّل : لاشك إنّه سبحانه مبدئ لموجودات عالمة بذواتها ، أيحاضرة لديها بنفسها كالإنسان فلابدّ أن يكون سبحانه المعطي لذلك الكمال واجداً له بأتمّ وجه وأفضله ، إذ لا يمكن أن يكون معطي الكمال فاقداً له ، فهو واجد لهذه الصفة ، وذاته حاضرة لديه بأحسن ما يكون من معنى للحضور . ونحن وإن كنّا لا نحيط بكيفيّة علمه وخصوصيّة حضور ذاته لديه سبحانه ، غير انّا نشير إلى هذا العلم ب « حضور ذاته لديه وعلمه بها من دون وساطة شيء في البين أبداً » . وخلاصة القول بأنّه كيف يسوغ عند ذي فطرة إنسانيّة أن يكون واهب كمال ما ، ومفيضه ، قاصراً عن ذلك الكمال ؟ فيكون المستوهب أشرف من الواهب ، والمستفيد أكرم من المفيد ، وحيث ثبت استناد جميع الممكنات إلى ذاته ( تعالى ) التي هي وجوب صرف وفعليّة محضة ومن جملة ما يستند إليه هي الذوات العالمة ،
مفاهيم القرآن — صفحة 312 | الشيخ جعفر السبحاني