تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ) ، فربّما يتبادر إلى الذهن من هذا المقطع من الآية صدور الذنب من أبينا آدم - عليه السَّلام - ، فنقول : لا دلالة فيه ولا في واحدة من كلماته على ما يتوخاه الخصم ، وإليك بيان هدف الآية ومفرداتها . أمّا الغفران فإنّ أصله « الغفر » بمعنى التغطية والستر ، يقال : غفره ، يغفره ، غفراً : ستره ، وكل شيء سترته فقد غفرته ، فإذا كان الغفران بمعنى الستر فلا ملازمة بين الستر والذنب ، فإنّ المستور ربّما يكون ذنباً وربّما يكون أمراً جائزاً غير مترقب الصدور من الإنسان ، ولأجل ذلك طلب آدم من اللّه سبحانه على عادة الأولياء والصالحين في استصغارهم ما يقومون به من الحسنات واستعظامهم الصغير من العيوب فقال : ( وإن لم تغفر لنا ) أيْ لم تستر عيبنا ولم ( ترحمنا ) أيْ لم ترجع علينا بالرحمة ( لنكونن من الخاسرين ) ولا شك أنّ آدم قد خسر النعيم الذي كان فيه ، بسبب عدم سماعه لنصح اللّه سبحانه ، ولأجل ذلك طفق يطلب منه أن يرجع عليه بالمغفرة أي بستر عيبه ، والرحمة أي بإخراجه من الخسران الذي عرض له . إذا وقفت على ما ذكرنا حول هذه الآيات والجمل وتأمّلت فيها بإمعان ودقة يظهر لك أنّ الاستدلال بها على صدور الذنب المصطلح من آدم من غرائب الاستدلالات وعجائبها ، ولا يصح لباحث أن يُفسر آية دون أن يستعين لفهمها بأُختها ، وبذلك يتضح أنّ ما سلكناه من المنهج في تفسير القرآن ، هو الطريق الصحيح الذي يرفع النقاب عن وجوه كثير من الحقائق التي قد تخفى على الباحثين ، وهذا الطريق هو تفسير كتابه سبحانه بالتفسير الموضوعي ، أي جمع الآيات الواردة في موضوع واحد وعرض بعضها على بعض .
مفاهيم القرآن — صفحة 136 | الشيخ جعفر السبحاني