تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
والإرشاد حيث قال : ( وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) ( « 1 » ) . وهذا يكشف عن أنّ خطابه سبحانه إليهما كان بصورة النصح أيضاً ، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بأساليب الكلام . فهذه القرائن وغيرها الموجودة في الآيات الواردة حول قصة آدم - عليه السَّلام - تدل بوضوح على أنّ النهي في هذا المقام كان نهياً إرشادياً لا مولوياً ، وكان الهدف تبقية آدم - عليه السَّلام - بعيداً عن عوامل الشقاء والتعب ، ولكنّه لم يسمع قول ناصحه فعرّض نفسه للشقاء ، وصار مستحقاً لأن يخاطب بقوله سبحانه : ( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعض عدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلَى حِين ) ( « 2 » ) ، وقوله سبحانه : ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَميعَاً بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدوٌّ ) ( « 3 » ) . أضف إلى ذلك أنّ الظرف الذي تلقّى فيه آدم هذا النهي ، ( النهي عن الأكل من الشجرة ) لم يكن ظرف تكليف حتى تعد مخالفته عصياناً لمقتضاه ، فإنّ ظرف التكليف هو المحيط الذي هبط إليه مع زوجته بعد رفض النصح ، أمّا ذلك المحيط فكان معداً لتبصير الإنسان بأعدائه وأصدقائه ، ودورة تعليمية لمشاهدة نتائج الطاعة وآثار المخالفة ، أيّ ما يترتب على قبول قوله سبحانه من السعادة ، وما يترتب على قبول قول إبليس من الشقاء ، وفي مثل ذلك المحيط لا يعد النهي ولا الأمر تكليفاً ، بل يُعد وسيلة للتبصير وتحصيل الاستعداد لتحمّل التكاليف في المستقبل ، وكانت تلك الدورة من الحياة دورة إعدادية لأبي البشر وأُمّهم ، حتى يلمس الحقائق لمس اليد .
هامش
( 1 ) . الأعراف : 21 . ( 2 ) . الأعراف : 24 . ( 3 ) . طه : 123 .
مفاهيم القرآن — صفحة 126 | الشيخ جعفر السبحاني