تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
فإبراهيم الخليل كان يملك كمالًا بالقوة وهو ترك ما سوى اللَّه في طريق أمره سبحانه ، ولكن هذا الكمال كان مكنوناً في ذاته ، مركوزاً في وجوده فأراد اللَّه سبحانه إظهار ذلك الكمال وإبرازه من مكمن وجوده إلى ساحة الفعلية والتحقّق ، فأمره سبحانه بذبح الولد وهو قد أخذ بيد ولده وصار به إلى المذبح ، فأراد ذبحه امتثالًا لأمره سبحانه ، فأظهر بذلك أنّه يؤثر طاعته سبحانه على كل ما يملك من العواطف القلبية لولده العزيز ، فعند ذاك تفتح ذاك الكمال وصار إلى مرحلة الظهور ، وتحققت الغاية من أمره تعالى ، وجاء أمره سبحانه مخاطباً إيّاه « قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤيَا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ » . « 1 » فهناك حكمان على موضوعين مختلفين فالخليل المالك للكمال بالقوة مخاطب بذبح الولد ، والخليل الواصل إلى هذه الذروة من الكمال ، مخاطب بحكم آخر ، وهو التفدية عنه بذبح عظيم ، ولا يعد كل ناقضاً للآخر بل الاختلاف في الحكم أثر الاختلاف في الموضوع . وعلى هذا الأساس تبيّن انّ اختلاف الحكم بالشفاعة في مورد العاصي من قبيل اختلاف الحكم حسب اختلاف الموضوع . وتوضيح ذلك : انّ العاصي بما هو عاص وبما انّه مجرّد عن انضمام الشفاعة إليه ، محكوم بالعقاب ، ولكنّه بانضمام الشفاعة إليه ، محكوم بحكم آخر ، واختلاف الحكمين أثر اختلاف الموضوعين بالإطلاق والتقييد . وإن شئت قلت : إنّ العاصي مجرداً عما يمر عليه في البرزخ من العذاب وما يستتبع ذلك العذاب من الصفاء في روحه ، ومجرداً عن دعاء الشفيع في حقه ،
هامش
( 1 ) الصافات : 105 - 107 .
مفاهيم القرآن — صفحة 262 | الشيخ جعفر السبحاني