تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إلَّا مَنِ ارتَضَى مِنْ رَسُولٍ » ( الجن : 24 - 27 ) . إنّ النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - - في هذه الآيات كما نرى - ينفي عن نفسه العلم بموعد القيامة لأنّ العلم بذلك من مختصاته سبحانه كما تصرح هذه الآيات . وأمّا الآية السابعة أعني قوله : « يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَاعِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلّامُ الغُيُوب » ( المائدة 109 ) فقد استدل بها على نفي علم الغيب عن الأنبياء لأنّهم ينفون عن أنفسهم أيشكل من أشكال الغيب ويصفون اللَّه بأنّه : « علّام الغيوب » ولكن الإجابة عن الاستدلال واضحة بعد معرفة موارد استعمال « لا » النافية للجنس ، فإنّها وإن كانت لنفي الجنس ولكنّها تأتي على وجهين : 1 - نفي الجنس حقيقة وبصورة واقعية مثل قولنا : « لا إله إلّا اللَّه » وقوله سبحانه : « وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ » ( الأنعام - 59 ) وقولنا : لا رجل في الدار ، حين لا يوجد رجل في الدار صغيراً كان أم كبيراً ، صحيحاً أم سقيماً . 2 - نفي الجنس على سبيل التجوز فتقول : « لا أحد هنا » حين يطرق الباب طارق فيسأل هل يوجد أحد هنا ؟ فرغم وجود شيخ كبير ، أو انسان لا طاقة له على الحركة في الدار ، ولكنّك تنفي وجود أحد في الدار مجازاً لأنّ ذلك الشيخ الكبير أو المريض لا يفيدان السائل بشيء ، فاعتبرت وجودهما كالعدم بالنسبة إلى السائل فنفيت الجنس مجازاً . ومن هذا القبيل كلمات الإمام أمير المؤمنين - عليها السَّلام - التي خاطب بها أصحابه المتخاذلين ، والذين كانوا يجعلون من الحر والبرد وسيلة للتقاعس عن ساحة الحرب والجلوس عن مجاهدة البغاة معاوية وأمثاله ، حيث قال : يا أشباه الرجال ولا رجال « 1 » . ونظير قوله - عليها السَّلام - : « لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد » . والآية الكريمة من هذا القبيل ، فإنّ الأنبياء حين ما يقيسون علمهم المحدود الاكتسابي إلى علم اللَّه تعالى اللامحدود واللامتناهي والذاتي ، يرون ضآلة ما عندهم من العلم تجاه ما عند اللَّه
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة الخطبة 26 طبع عبده .
مفاهيم القرآن — صفحة 436 | الشيخ جعفر السبحاني