الوارد في الآية المتقدمة ، غير أنّ المقصود منه هم اليهود بلا كلام لما في ذيل الآية التالية من تعليل ضرب الذل والمسكنة عليهم بقتلهم الأنبياء وهو من فعل اليهود .
ويؤيده قوله سبحانه ، في شأن اليهود : « اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذِلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ » ( البقرة - 61 ) وبذلك يظهر أنّ ما يقال من عمومية الآية ، لمطلق أهل الكتاب ، أخذاً بمفاد الضمير المتصل ، الراجع إلى أهل الكتاب ، المذكور في الآية السابقة ، ليس بسديد .
وقد تنبأ سبحانه بقوله : « لن يضرّوكم إلّا أذى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار » بما جرى بين المسلمين وطوائف من اليهود من « بني النضير وقريضة وقينقاع » فحاربوا المسلمين ولم يثبتوا بل استسلموا ، وهو تنبّؤ صادق شهد به التاريخ الصحيح ، بل يمكن أن يكون تنبّأ بعامة ما جرى بينه وبين اليهود أيام حياته - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - فهو قد طهّر الجزيرة العربية من هذه العناصر الماكرة ، أعداء اللَّه وأعداء الانسانية في مدة قليلة ولم ينصروا بعد قط .
والمراد من الاستثناء في قوله سبحانه : « لن يضرّوكم إلّا أذى » هو الضرر اليسير الذي ليس فيه كبير تأثير من سب باللسان وخوض في النبي ، وقد تحقق المخبر به كما أخبر في تطهير أرض المدينة وما حولها من الطوائف الثلاث الذي اسميناهم ، فلم ينالوا من المسلمين إلّا سبّاً باللسان أو ضرراً قليلًا كما هو الحال في غزوة خيبر على ما هو مسطور في السير والتاريخ ، ومفاد الآية راجع إلى عصر الرسالة فقط كما أوضحنا ، ويفيده التدبر في الآية وفي الضمائر الواردة فيها من قوله : « لن يضرّوكم و . . . » « 1 » .
وأما الآية الثانية المتضمّنة لضرب الذلة والمسكنة عليهم فربّما يحتمل اختصاص مفادها بعصر الرسالة غير أنّه محجوج بأمرين :
هامش
( 1 ) - قال الطبرسي ففي هذه الآية دلالة على صحة نبوّة نبينا - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - لوقوع مخبره على وفق خبره لأنّ يهود المدينة من بني قريضة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر الذين حاربوا النبي والمسلمين لم يثبتوا لهم قط وانهزموا ( مجمع البيان ج 1 ص 488 ) .