سوطاً لمكان درهم ، ولا تمُسّنّ مال أحد من النّاس مُصلّ ولا مُعاهد » « 1 » .
كما أنّ الإمام عليّاً - عليه السلام - لما رأى ذات يوم شيخاً نصرانيّاً يستجدي ويتكفّف فقال : « ما هذا ؟ » قالوا : يا أمير المؤمنين ، نصرانيّ . فقال : « استعملتُمُوهُ حتّى إذا كبر وعجز منعتُمُوهُ . أنفقُوا عليه من بيت المال » « 2 » .
ولقد كانت هذه السيرة مع الأقلّيّات الدينيّة هي سيرة أغلب قادة الإسلام فالتاريخ يحدّثنا : أنّ أحد الخلفاء مرّ على شيخ مضطرب الحال يتكفّف فسأل عنه ، ولمّا تبيّن له أنّه يهوديّ قال له : وما الذي دعاك إلى هذا .
فلمّا قال : إعطاء الجزية والحاجة ، والكبر ، أخذ الخليفة بيده ، وأدخله إلى منزله وسدّ حاجته بمبلغ من المال وأوصى خازن بيت المال وأمره أن يرفق به ويراعي حاله ، وحال من يشابهه وقال :
« ليس من النصفة أن نستعمله في شبابه ونتركه في كبره » « 3 » .
على أنّ الإسلام لم يكتف بهذا القدر من الاحترام وحسن المعاشرة والمعاملة ، فلم يقتصر على الأمر باحترام الأحياء من أهل الكتاب ، بل دعا إلى احترام أمواتهم كذلك . يقول جابر بن عبد اللَّه :
مرّت بنا جنازة ، فقام لها النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقمنا به . فقلنا : يا رسول اللَّه : إنّها جنازة يهوديّ . فقالصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إذا رأيتم الجنازة فقوموا » « 4 » .
وقال : كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسيّة فمرّوا عليهما بجنازة ، فقاما ، فقيل لهما : إنّهما من أهل الأرض ، أيّ من أهل الذمّة ، فقالا : إنّ النبيّصلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مرّت به جنازة فقام ، فقيل له : إنّها جنازة يهوديّ ، فقال : « أليست نفساً » « 5 » .
ولهذا السبب كان أهل الكتاب في البلاد غير الإسلاميّة يستقبلون المسلمين الفاتحين لتلك البلاد باشتياق كبير ، ويفتحون في وجوههم أبواب مدنهم وحصونهم ، فعندما وصل الجيش الإسلاميّ بقيادة أبي عبيدة بن الجرّاح إلى أرض الأردن ، كتب إليه
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة : قسم الكتب رقم 51 .
( 2 ) - وسائل الشيعة 1 : كتاب الجهاد : الباب 19 ح 1 .
( 3 ) - السلام العالميّ والإسلام .
( 4 ) - البخاريّ 2 : 85 .
( 5 ) - البخاريّ 2 : 85 .