إنّ نفس هذه الحقيقة جارية في الاستمداد ، والاستغاثة ب « الأرواح المقدسة » العالمة الشاعرة حسب إخبار القرآن وتأييد العلوم الحديثة ، فإذا استغاث شيعة موسى عليه السلام به بعد خروج روحه عن بدنه بهذه العقيدة لم يكن عمله شركاً ، ولم يجعل موسى شريكاً للَّه لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال ، ولا في العبادة ، ولم يعبد موسى بهذه الاستغاثة والطلب .
وأمّا لو استغاث به وهو يعتقد باستقلال روحه في الإغاثة ويعتقد بأنّها قادرة على التأثير دون القدرة الإلهية ، فإنّ هذا المستغيث يعد مشركاً ويكون موسى - كما يقتضي اعتقاده - في صف الآلهة .
ولو كانت حياة المستغاث ومماته مؤثرة في الأمر ، فإنّما تكون مؤثرة في جدوائية الاستغاثة أوّلًا ، لا في تحديد التوحيد والشرك ، والبحث عن الجدوائية وخلافها خارج عن موضوع بحثنا .
ومن العجب العجاب اعتبار التوسل والاستغاثة بالحي والاستشفاع به عين التوحيد ، وعد هذه الاستغاثة والاستشفاع - مع نفس الخصوصيات - بميت شركاً وفاعلها واجب الاستتابة مستحق القتل .
إنّ الوهابيين يسلمون انّ اللَّه سبحانه أمر العصاة بأن يذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويطلبوا منه أن يستغفر لهم أخذاً بظاهر الآية ( النساء - 64 ) ، كما يسلمون أنّ أولاد يعقوب طلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم ( يوسف 97 - 98 ) غير أنّهم يقولون : إنّ هذين الموردين إنّما ينطبقان مع أُصول التوحيد لأجل حياة المستغاث ، وأمّا إذا سئل ذلك في مماته عدّ شركاً .
غير أنّ القارئ النابه جد عليم بأنّ حياة الرسول ومماته لا يغيِّران ماهية العمل ، إذ لو كان التوسل شركاً حقيقة للزم أن يكون كذلك في الحالتين من دون
مفاهيم القرآن — صفحة 527
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٢٧