فإن قلت : ما وجه النعمة عليهم في موتهم وبعثهم وإحضارهم أهوال الموقف وعدم استطاعتهم النفوذ من أقطار السماوات والأرض ، وإرسال شواظ من نار ونحاس ، وأخذ المجرمين بالنواصي والأقدام ، ونحو ذلك مما ذكر ، حتى يقررهم بها عقيب ذلك ؟
قلت : ليست النعمة في نفس وقوع هذه الأشياء ، بل في إخباره تعالى إياهم بوقوعها ؛ ليأخذوا حذرهم منها بالطاعة ، ولا خفاء أن تحذير الإنسان مما يضره من أجلّ النعم عليه ؛ لأن النعمة إما : إيصال نفع ، أو دفع ضرر ، والثاني أبلغ من الأول ؛ لأن الإنسان يصبر على عدم النفع ولا يصبر على وجود الضرر ، كما يصبر على أكل العسل ، ولا يصبر تجريع سم أو رصاص مذاب ، أو جلد مائة سوط ، واللّه أعلم .
ومن كان قابلها بالتوحيد والعبادة ، أدخلته الجنة ، وهذا حاصل قوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
« 1 » إلى آخر السورة ، وكل فرد من أفراد الجملة يتضمن نعمتين : وقوعه إذا وقع ، والترغيب فيه قبل وقوعه .
فإن قلت : الخطاب والتذكير للثقلين وهو عام فيهم : مؤمنا وكافرا ، والكافر في الآخرة يصير إلى العذاب الدائم ، ويتبين أن ما كان فيه في الدنيا مما يخال نعمة ، كان استدراجا ، وسببا من أسباب النقمة ، وحينئذ لا نعمة عليه في دنيا ولا أخرى ؛ إذ النعمة هي : النفع السالم العاقبة من شوائب الأكدار .
قلت : الجواب من وجهين :
أحدهما : لا نسلم أن من شرط النعمة سلامة العاقبة ؛ لأن اشتقاقها يؤول إلى النعومة التي هي ضد الخشونة ، وهذا المعنى موجود بدون الشرط المذكور .
الثاني : لو لم يكن للعامة إلا إظهار الآيات والمعجزات على أيدي الأنبياء وتحذيرهم من شرور الآخرة ، وترغيبهم في سرورها ، لكان ذلك كافيا في استحقاقه
هامش
( 1 ) سورة الرحمن الآية 46