إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي
، ولم يصرح له بالتجهيل تأدبا وتلطفا ، ثم ارتفع عن ذلك قليلا ، فقال :
لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ ، عَصِيًّا
، فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوّ له فاقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن ، ولم يلتفت إلى عدوانه لأبيه ، ثم ارتفع قليلا فتوعده بالعذاب غير مصرح ، بل قال :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ .
هذا مع تصدير كل جملة من الكلام بقوله
يا أَبَتِ
تقربا إلى قلبه ، واستعطافا له .
هذا ما كان من أمر إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر ، خطاب في غاية الرقة واللطف والاستعطاف ، ثم انظر كيف كان جواب أبيه ، كان غاية في الغلظة والشدة والفظاظة قال :
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
، فأنكر عليه رغبته عن آلهته إنكارا عنيفا ، فسمّاه باسمه ، ولم يقل له : يا بني ، كما قال له إبراهيم : يا أبت ، وتوعّده بالرجم توعّدا مؤكدا لا تعريضا ، كما قال هو له :
إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
وأمر إبراهيم بهجرانه مليّا ؛ إظهارا لتبرئته منه ، وجفوته له وكراهته ما جاء به .
فإذا كان اللطف ، والاستعطاف يسمى بالاستدراج ، فإن ضده وهو العنف والقوة يطلق عليه الطوفي : ضد الاستدراج .
هذه هي أنواع علم البيان المعنوية ، وقد ذكر منها الطوفي تسعة وعشرين نوعا أتينا على معظمها ، ولم نعرض لها جميعا ، وما أهملناه منها لم نذكره ؛ لأنه لا يتعلق بالقرآن وبيانه وبلاغته مما لا يحتاج إليه من يتعرض لتفسير القرآن .
* * * هذا ، وليس لزاما عليّ أن أذكر ما قمت به من عمل أو ما بذلت من جهد في تحقيق هذا الكتاب من نسخته الفريدة ، إذ لا يبلو هذا الجهد إلا المشتغلون بتحقيق التراث ، وهم ليسوا في حاجة لمن يخبرهم به .