البليغ يراعي فيه أحوال العبارة بالإضافة إلى المعنى ، ولا شك أن : إياك نعبد وإياك نستعين ، أعدل مما لو حذفت الثانية ، فلو حذفت الثانية لنقصت عن الأولى جزءا ، وزال الاعتدال والتناسب .
أما التكرار غير المفيد ، وهو ما لم يرد في القرآن ، وإنما ورد في الشعر كقول المتنبي :
ولم أر مثل جيراني ومثلي * لمثلي عند مثلهم مقام
فكرر لفظ ( مثل ) أربع مرات ، وحاصله : إن مقام مثلي بين مثلهم عجيب .
وهو تكرار خال من الفائدة .
وثمة نوع آخر من التكرار ، وهو تكرار المعنى دون اللفظ نحو : أطعني ولا تعصني ، فالمعنى متكرر ، فالأمر بالطاعة هو نهي عن المعصية ، والغرض منهما واحد ، وهو عدم التمرد عليه والخلاف له .
ومن ذلك قوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً
( النساء 14 ) ، فذكر تعدي الحدود يؤكد الوعيد على المعصية .
ويخبرنا الطوفي في كتابه الإكسير أن الخطاب بالجملة الاسمية أبلغ وآكد من الخطاب بالجملة الفعلية ، وانظر إلى حقيقة ذلك من قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا : آمَنَّا ، وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ
( البقرة 14 ) ، فالمنافقون يخاطبون المؤمنين بقولهم ( آمنّا ) بالجملة الفعلية ، فدلّ على كذبهم ، إذ لو صدقوا لأكدوا وأخبروا بالجملة الاسمية ، كما قالوا لشياطينهم ( إنّا معكم ) فدلّ على صدقهم في ذلك .
وكما قال المؤمنون :
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
( الدخان 12 ) ، فإنه أقرهم على ذلك ولم يرد عليهم ، في حين أنه رد على الأعراب حين ادعوا الإيمان كذبا : ( قالت الأعراب آمنّا ) فرد عليهم قائلا :
قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
( الحجرات 14 ) .
ويخبرنا أيضا أن ورود الكلام بلام التأكيد لا يكون إلا لأمر يعزّ وجوده وفعل