وكقول بعضهم وقد اعتلّت أمّه ، فكتب رقاعا وألقاها في المسجد الجامع ببغداد « 1 » : « صين امرؤ ورعى ، دعا لامرأة مقسئنة ، قد منيت بأكل الطرموق فأصابها من أجله الاستمصال ، أن يمن عليها بالاطرغشاش ، والانبخال » « 2 » فكل من قرأها ، لعنه ولعن أمه ودعا عليهما .
وكقول الآخر « 3 » : إن كانت إلا أثوابا في أسيفاط قبضها عشّاروك . فهذه ألفاظ وحشية قبيحة الاستعمال في عصرها ، إلا أن الناظم فيها أعذر من الناثر ؛ لانطلاق عنانه في التأليف ، وتقييد الناظم بقيد العروض ، والتزام القافية ، لكن ينبغي له اجتناب الوحشي ما أمكن ، فإن قول القائل « متغطمط » لو جعل عوضها متدارك ، أو متراكم ، أو متلاطم ، لأدت معناها ، على أن لفظة « متغطمط » لا أراها متوغلة في التوحش ، ولفظها مشعر بالكثرة ، والحركة ، وشدة الاضطراب ، والغليان ، فلا يقوم مقامها شيء من الألفاظ المذكورة ، واللّه أعلم .
الصفة الثالثة : ألا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة ، وذلك قسمان :
القسم الأول : أن يدرك اللفظ بالوضع على معنى ، فتنقله العامة إلى غيره
، وهو نوعان :
النوع الأول : ما نقلته إلى معنى مستقبح
كقول المتنبي :
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني * وعفّ فجازاهنّ عني على الصرم « 4 »
هامش
( 1 ) أراد به جامع المنصور بالجانب الغربي من بغداد العتيقة .
( 2 ) مقسئنة : قال الجوهري : اقسأن الرجل اقسئنانا : إذا كبر .
الطرموق : الطين . الاستمصال : الإسهال . اطرغشاش : اطرغش إذا أبلّ وبرأ ، والابرغشاش بدلا من الانبخال في الجامع الكبير 47 .
( 3 ) في اللسان « قول عيسى بن عمر لا بن هبيرة وهو يضرب بين يديه بالسياط : تاللّه إن كنت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك » مادة عشر . والأسيفاط : تصغير أسفاط جمع سفط ، وهو وعاء كالجوالق والعشار : قابض العشر .
( 4 ) هذا البيت من قصيدة مطلعها :ملام النوى في ظلمها غاية الظلم * لعل بها مثل الذي بي من السّقمشرح الديوان 4 47 لأبي البقاء العكبري