هامش
- ليخرّبوا ما بنوا بأيديهم ؟
لقد بنوا أنفسهم طورا طورا يتلقون الآيات حفظا ووعيا ، ثم تطبيقا ودعوة ، فنشؤوا على العلم والدين والحرز عن الكذب ، وكيف لا وقد زكاهم اللّه في كتابه وعلى لسان رسوله ؟
فهل يتصوّر ولو على سبيل الافتراض أن هؤلاء الذين ربوا أنفسهم ؟ ؟ بما جاء من الحق في القرآن والسنة يمكن أن يخالفوا هذه التعاليم التي نشأوا عليها ؟ . ولهذا السؤال جوابان :
الأول : جواب من عرف قدرة اللّه ، وفضله عليه وإنعامه وأيقن بأنه للّه عبد ، وتربّى على مبادئ الإيمان تربية : يطبق الأوامر ويبتعد عن النواهي ، مدركا ما عند اللّه من نعيم لمن أطاع ، ومن عقاب أليم لمن أبى وعصى . فإن هذا الفريق سيقول : إن الكذب على اللّه وعلى رسوله لا يمكن أن يوجد في مثل هذا الرعيل .
والثاني : جواب من تغذوا على موائد المتكلمين والمتفلسفين والعلمانيين الذين يفترضون النظريات ، ويجيزون الشبهات والأغلوطات ، ويعيشون في جو الخصومات ويسقطون ما في أنفسهم من أهواء وميول على الصحابة الكرام ، فإن هؤلاء سيقولون :
الصحابة بشر مثلنا - ويصرون على كلمة مثلنا - يصيبون ويخطئون ، وعلينا أن نتجنب المخطئ منهم ، وأن نحكم عليهم كما نحكم على غيرهم من رجال السند .
ويقولون : نحن لا ننكر أن فيهم الصادق والأمين والعدل ، ولكن فيهم أيضا . . .
المنافقون ، ولكي نصل إلى السنة الصحيحة فلا بد من جرح من يستحق الجرح ، وطرح أحاديث ورواية من لم تتوفر فيه العدالة والصدق ، وهذا كلام حق ، ولكن يراد به باطل .
أما أن المنافقين كانوا موجودين فأمر لا ينكره أحد ، فقد قال كعب بن مالك : « فكنت إذا خرجت في الناس - بعد خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا - مطعونا عليه في ذمته متهما بالنفاق - عليه في النفاق ، أو رجلا عذر اللّه من الضعفاء » . حديث كعب متفق عليه .
وهذا يوضح أن المنافقين كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك ، ثم تأكد ذلك يتخلفهم لغير عذر وعدم توبتهم ، ثم نزلت سورة براءة فقشقشتهم - أي : برأتهم من النفاق - وهذا يوضح أنهم كانوا مشارا إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم . -